Tuesday, 22 May 2018
Thursday, 17 May 2018

هل يُسبِّب الثوم والبصل عند وضعه في الفيريز التسمم؟



كل ما يُقال بخصوص ربط تخزين الثوم والبصل في الفريزر بموضوع إفرازها لِمواد ضارة هو كلام عارٍ من الصحة وليس له مُعتمَد علمي يرتكز عليه. والصحيح هنا أنْ نقول: بأنَّه في العموم فإنَّ مقاوتها لإفراز بعض المواد الضارة يعتمد على طبيعة الظروف المحيطة بها التي من أهمها ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة والتعرض للضوء المباشر (أي أنَّ هذه الظروف تقلِّل من مقاومتها). وأمَّا الأصل هنا فهو ألَّا تتبرعم في وسطها وألَّا تتغير صلابتها أو لونها (سواء كانت مُبرّدة أو في درجة حرارة الغرفة)، فإذا ما حدث هذا ورد السؤال حول صلاحيتها من عدمه.
Saturday, 7 April 2018

الجرب.. ما هو؟ وكيف تتم الوقاية منه؟


أذكر في مقدمة هذه المقال بأنَّ الجرب باختصار هو مرض جلدي معدي يُصيب الجزء الخارجي من طبقة الجلد ويؤدي إلى الشكوى من حكة شديدة، وهو ينجم من الإصابة بنوع من أنواع الطفيْليّات المجهرية (لا تُرى بالعين المُجرّدة) التي تندرج تحت عنوان المفصليات الشبيهة بالعناكب والتي تمتاز بأربع أزواج من الأرجع وبانعدام العينين؛ ونستطيع تشبيهها مجازًا أيضًا بالقمل أو الصيبان أو السوس غير المرئي (علمًا بأنَّه لا تُوجَد علاقة بينهما). حيث تستطيع هذه المفصلية المجهرية أنْ تنتقل إلى الشخص السليم بعد تعرّضه لعدوى من شخص مصاب بها عند الالتصاق المباشر به، كما يحدث عند المعاشرة الجنسيّة أو المصافحة، أو عندَ استعمال الأدوات والأغراض الخاصة به، مثل الملابس والشراشف والأغطية والمخاد والأحذية الصوفية، وغيرها من أدوات وأغراض قطنية وصوفية خاصة. لذا، تجد هذه الحشرة فرصتها للانتقال في الأماكن المزدحمة، أو عند المكوث في الفنادق الموبوءة التي يتم استخدام الأدوات المُشتركة فيها مثل الأغطية والمخاد والفوط وما شابهها من مُسلتزمات.

بل وللتوضيح فإنَّ مفصلية الجرب المجهرية تُصيب البشر، إلَّا أنَّ هناك أنواع أُخرى مُختلفة منها تُصيب الحيوانات أيضًا، مثل القطط والكلاب والجمال وغيرها من حيوانات.


وما أنْ تصل مفصلية الجرب إلى موقعها الجديد في الطبقة العلويّة من جلد الإنسان أو الحيوان السليم، حتى تبدأ في تهيئة مكانها وبناء أعشاشها وحفر جحورها التي تعيش فيها، دون أنْ يُلاحَظ وجودها، حيث يُطلق على هذه الفترة بـ "فترة الحضانة" التي تتراوح عادةً ما بين أسبوعين إلى ستة أسابيع عند الإصابة الأولى، وقد تقصر عن ذلك عند الإصابة الثانية (من يوم إلى أربعة أيام)؛ وهي في العموم فترة معدية. 


فتقوم من بعد ذلك خلايا المناعة بمهاجمتها، ممّا يؤدّي إلى ظهور الحكة التي ينجم عنها تكون حبوب صغيرة ذات لون أحمر تكونُ في العادة ملتهبة؛ وهي قابلة للانتشار في أغلب جسم الشّخص المصاب، إلَّا أنَّها تكثر بشكلٍ خاصّ حول السرّة، وبين أصابعِ اليد، وفي الأماكن الملتوية والدافئة من الجسم مثل حزام البطن؛ وعادةً ما تزيدُ في وقت المساء. وقد يؤثّر الجرب على مناطق حسّاسة عند الشخص المصاب، مثل: مناطق الصدر، وحول العينين، والمناطق التناسليّة؛ بل وتتفاقم حدتها وأثارها الجانبية عند فئة الأطفال، ومن بعدهم تأتي فئة الكبار في السن. 


وبسبب زيادة تفاعل الجهاز المناعي مع وجود هذه المفصلية الطفيلية يتكوَّن الطفح الجلديّ الذي يظهر في هيئة بقع منتفخة حمراء الّلون متهيجة وشديدة الحكة أيضًا؛ وهو قابل للظهور في أي جزء من الجسم، إلا أنَّه يكون أكثر وضوحًا في باطن الفخذ، وعلى البطن، وفي المنطقة الوركين.

ومن أعراض وعلامات الجرب أيضًا تكون الجحور، وهي الأماكن التي تستقرّ فيها هذه المفصلية، حيث تظهر على شكل خطوط غامقة على الجلد بطول 2-10 ملم تقريبًا، ويُلاحظ وجودها عادةً بعد بدْء الحكّة في مناطق الجلد الزائد، مثل جلد ما بين الأصابع وباطن المرفق والرّسغ.

وبسبب الحكّة الشديدة تظهر آثار سطحيّة على جلد الشخص المصاب من أهمها الخدوش التي قد تلتهب بالبكتيريا، فتزيد الوضعَ سوءًا، حيث تؤدّي إلى احمرار الجلد، والإحساس بالحرارة والألم فيه.

ومن الممكن أنْ يزيدَ مرض الجرب من أعراض الأمراض الجلديّة الأخرى، إذا كانت متواجدة على جلد المريض مسبقًا.

وقد يلجأ المختص أحيانًا لتشخيص المصاب من خلال أخذ عيّنة من النسيج الملتهب وذلك بحك الجلد الملتهب كي يفحصها تحت المجهر، أو من خلال استخدام قلم طبي خاص به حبر من أجل تعليم الجحور على سطح الجلد من أجل ملاحظتها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّه وعلى غرار ما يحدث في عالم العناكب، فإنَّه يوجد من هذه المفصليات ذكر وأنثى، يحدث التزاوج بينهما على سطح الجلد لِمرة واحدة فقط، الأمر الذي يجعلها مُلقَّحة فيما تبقى من حياتها (قُرابة الشهرين المتبقيِّن من حياتها)، وتبدأ بعد ذلك الأنثى الملقّحة ببناء بيتها من خلال حفر الأخاديد في جلد الشخص، بطول 2 ملم تقريبًا من أجل وضع بيضها (من بيضة إلى بيضتين في اليوم الواحد)، حيث يفقس البيض لتخرج الطفْيليّات الصغيرة منها، وتترك مخبأها وتنمو خارجَه إلى أنْ تصل مرحلة البلوغ، وذلك في بضعةِ أيّام قليلة، ثم تقومُ هذه الطفيْليّات بالتزاوج فيما بينها، وتبني البيوت الخاصة بها على جلد الشخص المصاب بها، وهكذا دواليك. 


وتنتشرُ من بعدها الطفْيليّات وتتكاثر في جسم الشخص المصاب بالجرب بهذه الطّريقة، لهذا يجب على الشخص المصاب بالحكّة الشديدة مراجعة المصحة الطبية فورًا دون إهمالِ لحالته؛ حيث لا يختفي هذا المرض من تلقاء نفسه، بل ويجب استعمال العلاج الموصوف له. وقد ثبت علميًّا بأنَّ الطفيل المُسبّب لِمرض الجرب لا يمكن أنْ يعيشَ بعيدًا عن جلد الحيوان العائل له لمدة تزيد عن 72 ساعة. 


وقد يعتقدُ البعض بأنّ الجرب يصيب الأشخاص الذين لا يحافظون على نظافتهم الشخصيّة، غيرَ أنَّ هذا الأمر غير صحيح، فالجميع معرَّضون للإصابة به.

وللتخلص من الجرب، فإنَّه لا بُدَّ من معالجته بالكريمات والمحاليل والمراهم والمستحلبات الدوائية الخاصة التي عادة ما يتم وصفها على فترتين (يفصل بينهما عدة أيام) من أجل ضمان القضاء على هذه المفصلية وبيوضها. ومن أهم هذه العلاجات: الـ "بيرميثرين" (Permethrin) بتركيز 5% مثل الـ "إليمايت" (Elimite)، وهو العلاج الأكثر شيوعًا للجرب، حيث يتوفّر في هيئة كريمات وشامبوهات وغيرها من صيغ، يتم استخدامها على جلد جاف ونظيف من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين، ودهان "كروتاميتون" (Crotamiton) مثل "يوراكس" (Eurax) الذي يُناسب الأطفال الذين أعمارهم أقل من شهرين. وهناك علاجات أُخرى غيره وهي عديدة لا يسع المجال للحديث عنها هنا من أهمها: محاليل "جاما بنزين هيكساكلوريد" (Gamma Benzene Hexachloride) بتركيز 1%، والكبريت (Sulfur) بتركيز 6%، وهي علاجات بها عيوب سواء على مستوى تأثيرها العلاجي أو رائحتها أو تركها لأثار صبغية على الملابس. وغالب هذه العلاجات في العادة يتم استخدامها للتخلص من القمل والصيبان وما شباه من آفات تتطفَّل على جلد وشعر الإنسان.

وأمَّا الترويج لاستخدام بعض الأبخرة الشعبية الخاصة التي يتم التسويق لها على مواقع التواصل الاجتماعي فهو كلام في غير محله، وهي وصفات اجتهادية لا تُسمن ولا تغني من جوع.

وقد يحتاج الشخص المصاب بالجرب لعلاجات خاصة حينماا تكون حالته مُتستعصية، كحالات "الجرب النرويجي" (Norwegian Scrapie) الذي يُكوِّن طبقة قشرية تحتوي على المئات من تلك المفصليات الشرسة، والذي يُصاحبُه أيضًا تهيُّج الجهاز المناعي بسبب المُخلّفات والبيوض التي تتركها على الجلد ينتج من ضعف مناعة الشخص المصاب من الأساس، حيث تشمل هذه  العلاجات: غسول أو كريم "براموكسين" (Pramoxin). وقد تُستخدَم أيضًا له مضادات الهيستامين الخاصة بالحساسية حال اشتداد الحكة، وكذلك المضادّات الحيويّة (في حال وجود الالتهاب البكتيري). وفي حال انتشار المرض في سائر أجزاء الجسم، فقد يحتاج المريض لدواء الـ "إفيرمكتين" (Evermictin) الذي تُوجَد منه صيغة يتم تناولها عن طريق الفم، إلَّا أنَّ بعض هذه العقاقير غير مناسبة لِكبار السنّ، والأطفال، والسيّدات الحوامل، وكذلك المرضعات، وذلك لأنَّها تتسبَّب في آثار جانبيّة حادّة لديهم.

وقد تستمرّ الحكّة لعدّة أسابيع حتّى بعد أن تتمّ معالجة الجرب، وهي الفترة الزمنية التي يدخل فيها الجهاز المناعي في ردة فعل تجاه الآثار التي خلفتها الطفيْليّات المسبّبة لمرض الجرب. وأمَّا في حال استمرت الحكّة لأكثر من اسبوعين دون أنْ يكون هناك تنازل في حدتها، فقد يحتاج المصاب عندها إلى فترة علاجيّة إضافية من أجل التخلّص من هذه الطفيْليّات المفصلية التي يُحتمَل حينها أنَّها قد نمتْ وتكاثرتْ مرة ثانية.

لذا، يجب تجنب الاحتكاك المباشر مع أي شخص تظهر عليه الأعراض المذكورة أعلاه (سيِّمَا الحكة الشديدة)، أو مُلامسة أدواته وأغراضه الشخصية؛ بل وأنَّه يُنصح حينها أيضًا بعدم التواجد في الأماكن المزدحمة، خصوصًا في المواقع الجغرافية التي عُرِفتْ بانتشار الجرب فيها. وفي حال كان هناك أحد أفراد العائلة مصاب بالجرب، فإنَّ استخدام العلاج لا بُدَّ أنْ يتم حينها من قبل كل أفراد العائلة والمخالطين له عمومًا حتى لو كانوا لا يُعانون من أي أعراض أو علامات؛ بل وغسل الأدوات والأغراض الخاصة به خصوصًا المصنوعة من الصوف والقطن بالماء الحار، ومن ثَمَّ نشرها في الشمس وتعريضها للتهوية الخارجية لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام (وهي الفترة التي تموت فيها تلك الحشرات المجهرية بسبب بعدها عن عائلها الذي تتطفل عليه). بل ويُفضَّل حينها أيضًا تهوية المنزل والسماح لأشعة الشمس بالنفاذ لداخله. وقد يحتاج بعض الأثاث حينها كالسجاد لاستخدام بعض المبيدات الحشرية الخاصة.

مُلاحظة أخيرة: علاج الجرب يستخدَمه المصاب بالجرب ومن هم حوله من مُخالطين فقط؛ وفي حال لم تكن هناك حاجة له، فليس من الحكمة أنْ يتم استخدامه لأنَّ له آثار جانبية، حيث يتحوَّل استخدامه - في حال غياب حالات مصابة به - إلى عبث فكري ومادي وهوس في غير محله (وهو ما يُطبِّقه البعض في المناطق غير الموبوءة على أبنائهم في مثل أيامنا هذه قبل ذهابهم للمدارس - للأسف الشديد - ظنًا منهم بأنَّه أمر حسن). وأضيف على هذا أيضًا بأنَّ العلاج يقضي على هذه المفصلية الشرسة في حال تواجدها على جلد المصاب، ولكنَّه لا يعني ضمان عدم الإصابة بالجرب مرةً ثانيةً في حال اختلط الشخص الذي حصل على العلاج بشخص آخر مُصاب في المستقبل.


المراجع

“Scabies.” 15 February 2008. DermNet NZ. New Zealand Dermatological Society Incorporated. 12 Feb. 2009 < http://www.dermnetnz.org/arthropods/pdf/scabies-dermnetnz.pdf>.

Burkhart, CG. Recent immunologic considerations regarding the itch and treatment of scabies. Dermatology Online Journal; 12(7): 7. 13 Feb. 2009 < http://dermatology.cdlib.org/127/commentary/scabies/burkhart.html>.

Arlian, L. Biology, Host Relations and Epidemiology of Sarcoptes Scabiei. Ann. Rev. Entomol 1989; 34:139-61. 5 Feb. 2009 <http://arjournals.annualreviews.org/doi/pdf/10.1146/annurev.en.34.010189.001035?cookieSet=1>

Roncalli, RA. The History of Scabies in Veterinary and Human Medicine from Biblical to Modern Times. Veterinary Parasitology 1987; 25: 193-198.

Green, M. Epidemiology of Scabies. Epidemiological Reviews 1989; 11:126-150. 5 Feb. 2009 <http://epirev.oxfordjournals.org/cgi/reprint/11/1/126>.

"Scabies." 5 Dec. 2008. Laboratory Identification of Parasites of Public Health Concern. DPDx. CDC, Atlanta. 5 Feb. 2009 <http://www.dpd.cdc.gov/dpdx/HTML/Scabies.htm>.

Markell EK, John DT, Krotoski WA. Markell and Voge’s Medical Parasitology, 9th ed. Philadelphia: W.B. Saunders, 2006.
Friday, 6 April 2018

هل يؤدي القذف الخارجي لحدوث الحمل؟


يقول بعض الباحثين إنَّه لا يمكن أنْ نعتبر طريقة القذف خارج المهبل وسيلة أمنة لمنع الحمل من الأساس، لأنَّ معدلات الخطأ فيها كبيرة، وبالتالي فإنَّ احتمالية حدوث حمل مع استخدام هذه الطريقة عالية جدًا. ولو أردنا أنْ نُقرِِّب الصورة ونضع بعض المُقارنات، نذكر التالي: إنَّ نسبة حدوث الخطأ مع استخدام اللولب تصل (بحسب بعص الدراسات) إلى حدود 1%، ومع حبوب منع الحمل ترتفع نسبة الخطأ إلى حدود 6% تقريبًا، بينما يصل نسبة حدوث الخطأ عند استخدام طريقة القذف الخارجي إلى حدود 27%.

ومشكلة طريقة القذف الخارجي تتلخص في نقطتين: -
  • إنَّ كثيرًا من الأزواج يخرجون العضو الذكري متأخرًا (أي أنَّهم لا يستطيعون التحكم في إخراجه في الوقت المناسب).
  • إنَّه حتى إذا استطاع الزوج اخراج القضيب في الوقت المناسب (وهذا يتوافر عند الزوج المتمرس لسنوات والذي يستطيع التحكم في نفسه جيدًا) فإنَّ السائل الذي يخرج أثناء العلاقة قبل القذف أو عند ارتفاع حدة الشهوة والذي يُسمَّى بالمذي (بحسب ما وجدته الكثير من الدراسات) يكون محتويًا أحيانًا على حيوانات منوية حية، مِمَّا يجعل احتمالية حدوث الحمل مُمكنة.
ولقد وجد بعض الباحثين أيضًا، أنَّ طريقة القذف الخارجي إذا استُخدِمت بطريقة صحيحة (أي إذا أخرج الزوج عضوه الذكري في الوقت المناسب في كل مرة يقوم فيها بِعملية الجِماع)، بها نسبة خطأ تصل إلى حدود 4% على مدار العام فقط؛ إلَّا أنَّ هذه النسبة في العادة لا تكون دقيقة، لأنَّ الزوج (كما ذكرنا في في الفقرتين السابقتين) غالبًا ما يخرج عضوه الذكري متأخرًا، ولعل هذا هو االسبب الذي يؤدِّي إلى ارتفاع نسبة حدوث الخطأ من 4% عند طريقة القذف الخارجي إلى 27%.
Tuesday, 3 April 2018

الحِجَامة وغياب معاييرها ونظمها التطبيقية.. ماذا بعد؟


لو قمنا بتتبع التراث الإسلامي الذي تعرَّض لِموضوع الحِجَامة، سنجد بأنَّه بالعشرات. وهذا يعني أنَّ موضوع الحِجَامة له إطاره الخاص بمنظور الشريعة المُتمثِّلة بالدرجة الأولى فيما رُوي عن الرسول الأعظم محمد (ص). ونحن هنا - وبما لا شك فيه - نؤمن بِكل ما جاء مرويٌ عنه (ص). ولعل هذا يستدعي منا - في نهاية المطاف - الوقوف والتأمُّل بل والتحقيق أيضًا في المحاور المُرتبِطة بكل ما له علاقة بهذه الروايات من قِبل طلبة العلوم الدينية في دائرة تطبيقاتهم الدراسية؛ الأمر الذي على قاعدته ستتبلّور العديد من الاستفهامات من قِبل أهل الاختصاص في دائرة الطب والطبابة من أبناء الدين الاسلامي الحنيف، والتي ستؤطَّر إجاباتها بالبحوث والدراسات الإكلينيكية، والتي منها أيضًا ستتفرَّع أغصانًا تُلامس التفاصيل المُرتبطة بتقييم آثارها الصحية، بل والتي ستتدارس الكيفية التي من خلالها يُفترَض أنْ يتم تطبيقها كآلية واضحة وبمعايير ونظم ثابتة، وكذلك البحث في غيرها من استفهامات تُحاكي هموم من يسعى لِتبنيها كتقنية علاجية.

ومن هنا أذكر - في افتتاحية هذا المبحث – بأنَّ الموضوع عنوان القضية هو موضوع يحمل بين طيَّاته الكثير من المحاور الهامة التي تحتاج لِكتاب مُتكامل بفصوله ومباحثه العامة والخاصة.

وعليه، فهو ليس بالأمر الهيَّن حتى يتم تركه لِمن شاء من الناس كي يغرسون إبرهم ومشارطهم الحادة في أجساد الآدميين بِحجة أنَّهم فقط يقومون بتطبيق سنة النبي (ص) المُعلَّق بعضها على جدران الغرف المُغلقة أو التي يُردَّد بعضها الآخر من قبلهم على مسامع الحاضرين في مجلس الحِجَامة، دون فهم منهم لِحقيقة ما تعنيه تعلك العبارات ولا لِحقيقة ما جاء أساسًا مرويٌ عنه (ص).

وهذا ما سيتبيَّن لنا في السطور القادمة التي سأستعرضها في شكل نقاط ترتبط معانيها بِما أرمي له من مغزى إكلينيكي وبحثي تدور رحاه حول جوهر ما تم طرحه من سياق عام في المُقدِّمة (المُتمثِّلة في الفقرات السابقة)؛ وهي على النحو التالي:-

أولًا، لا بُدَّ أنْ نذكر – بكل صراحة – بأنَّ الحِجَامة (بِشقّيها الجافة والرطبة) قد تحوّلتْ لِتجارة ربحية يقوم بها من هب ودب علنًا وسرًا (وهذا أمر ملحوظ ولا يحتاج لِبيان، فالصورة تتحدَّث عن نفسها). فهي لا تخضع إلى نظم موحّدة ولا يحكمها معايير ثابتة. بل أنَّ الغريب – حقًا – هو أنَّ الشخص الواحد الباحث عن الحِجَامة قد تُغرَس الإبر في جسده في مواقع مُختلفة وبهيئات مُتعدِّدة يُحدِّدُها أحدهم ويختلف معه آخر من مُزاولي هذه التجارة. ليس هذا فحسب، بل وأنَّ طالب الحِجَامة (المحجوم) يرى أنَّ بعض الحَجَّامين (القائمين بِمُمارسة الحِجَامة) ينتقدون حَجَّامين آخرين في أسلوبهم وطرقهم التطبيقية (دون أنْ يدري أيُّهم الصائب وأيهم المُخطئ). فهم لا يعملون تحت مظلة تقنية واضحة ولا تحت إشراف مؤسَّسة مُعتمدة (فهي سوق مفتوحة للجميع). هذا فضلًا عن عدم إلمامهم بالمحاذير الواجب الأخذ بها عند من يُعاني من أمراض مُزمنة أو مُستعصية أو مُعدية، كحال من يُعاني مثلًا من السُكَّر أو ارتفاع الضغط أو انخفاض المناعة أو أي مرضٍ آخر يتعارض مع تطبيقات سحب الدم أو جرح الأنسجة (فكُل هؤلاء تُطبَّق الحِجَامة عليهم دون قيد أو شرط، ودن أن تكون هناك نصوص واضحة تُبيِّن من يُقبَل ومن يُرفض منهم). وما أعنيه هو أنَّ هؤلاء الحجَّامون ليسوا أطباء وليسوا مطلعين على أمور الطب والطبابة بالمعنى الذي نتصوّره لِيُقيِّموا حالة المحجوم؛ بل وجاهلين أيضًا بخبايا وتعارض بعض الأمراض مع مثل هذه الإجراءات؛ وحتى لو قام بعضهم بعمل بعض الاستعراضات الطبية الأولية كلبسه لِلقميص الأبيض أو استخدامه لِبعض الأجهزة الطبية دون دراية بعملها الفعلي (كقياسه لِلضغط أو ما شابه)، فهو واقعًا سيقفز فوق حواجزها وسيقوم بعمله في نهاية المطاف المُتمَثِّل في غرس إبره أو مشارطه في جسد من تم فحصه؛ بمعنى أنَّها إجراءات لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر من القضية شيء، فهي لا تعدو كونها إلَّا نوعًا من الاستعراض الترويجي لطبيعة المهنة التي يُمارسونها. لذا، نسأل: هل هذا هو الذي نسعى لِلحصول عليه من الحِجَامة؟ وهل هذا هو الذي نفهمه مِمَّا نقرأه من أحاديث مروية عنه (ص)؟!

ثانيًا، لقد أثار حفيظتنا ما لاحظناه على بعض الإخوة من أثار جسدية أصابتهم بعد أنْ احْتَجَمَوا، حيث بدأ الأمر معهم ببقع حمراء ظهرتْ على أجسادهم، ومن ثَمَّ تحوّلتْ إلى بقع داكنة؛ بل وأنَّي أؤكِّد من خلال معرفة واطلاع بأنَّ هناك من لديه بقع سوداء وتشوهات شبه دائمة مُماثلة لِلحروق في ظهورهم بسبب الحِجَامة استدعتْ ذهابهم لِزيارة الطبيب ولكن دون جدوى. وهو أمرُ قابل ِللحصول (وليس أمرًا نادرًا)، ولا تُوجَد عليه ضمانات (كما تُبيِّن الصورة المُرفقة أدناه). لذا، فإنَّه لا بُدَّ من التأكِّيد على أنَّ عملية الحِجَامة العشوائية التي تمُصُّ الدم عنوةً من مكان الحِجَامة من قِبل من يُتاجر فيها قد يُصاحبها مثل هذه الآثار الجانبية التي تنتج من انتشار الدم في ذلك النسيج المغروس بالإبر أو المخدوش بالمشارط الحادة وبقائه فيه، مِمَّا قد يُسبِّب مُضاعفات غير مُحبَّبة يطول أمدُها، يصل بعضها إلى تأثُّر العضو المحجوم بشكل سلبي والتهابه بأشد الميكروبات المجهرية. وهذا في حدِ ذاته دليل على غياب المعرفة بأصول وإجراءات جرح الأنسجة أو وخزها بالإبر، بل وتزداد احتمالية تفاقم مثل هذه الأعراض مع عديمي الخبرة في هذا المجال من الذين راجتْ بضاعتهم في كل حدب وصوب. 


ثالثًا، إنَّ الكثير من تطبيقات الحِجَامة التي يقوم بها البعض لا تتوافق ومعايير مكافحة العدوى؛ بل وأنَّ احتمالية انتقال الأمراض المعدية من خلالها أمر وارد، حيث يأتي في أعلى قائمة هذه الأمراض: التهاب الكبد الفيروسي المُزمن (الهيباتايتس) وفيروس نقص المناعة المُكتسبة وغيرها من فيروسات خطيرة تقلب رأس من تدخل جسده (بفعل مثل هذه المُمارسات غير المدروسة من قِبَل البعض) رأسًا على عقب. وهذا كلُّه اعتمادًا على ما رأيناه من قبل الكثير مِمَّن يعملون في هذه المهنة وغير المُطلعين على معايير مكافحة العدوى على اختلاف عناوينها. هذا فضلًا - طبعًا - عن غياب معايير التخلُّص من النفايات الطبية عن ذهن معظم هؤلاء التُجَّار؛ حيث ترى بقايا دم المحجومين وإبر ومشارط الحِجَامة وجميع الأدوات المُستخدمة من قبلهم في مثل هذه التطبيقات تُرمى مع النفايات العامة التي تتغذى عليها القطط وبقية الأحياء، والتي يلتقطها في نهاية المطاف عمَّال النظافة. ولعل هذا الأمر يُعدُّ بوابةً من بوابات تلوّث البيئة بشتى أنواع الميكروبات المُمرضة (دون حسيبٍ أو رقيبٍ من الجهات الرقابية).

رابعًا، يذهب البعض لِتضخيم عنوان الحِجَامة من خلال ربطه بعلاج السرطان (كما يروِّج له البعض في الكثير من المواقع الإلكترونية وعلى شاشات التلفاز). وهو أمرٌ ليس مبنيًا على البراهين الطبية المرتبطة بدوائر الدراسات والبحوث الإكلينيكية، ولا يجوز الاعتماد عليه كطرح عام بهذه الطريقة دون برهان ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. هذا فضلًا عن أنَّ مثل هذا الإطار العلاجي الخاص بأمراض السرطان لم يرد في أية ولا رواية؛ فمن أين أتى هذا البعض بِمثل هذه الخُلاصة؟! ولاحظ معي بأنَّي هنا لا أعارض أمر الروايات، بل أعارض تعميم فوائد الحِجَامة دون بيِّنة واضحة، وهو الأمر الواجب التأمُّل فيه جيدًا.

خامسًا، إنَّ تقديم الحَجَّام لِلدم الداكن اللّون أو المُتَكَتِّل أثناء خروجه من الحِجَامة على أنَّه دمٌ فاسدٌ هو تقديم لا يرتكز على أُسس علمية؛ فالدم الداكن اللون - طبيًا - دمُ مُحمَّلٌ بثاني أُكسيد الكربون ويكون مُتجهًا في الأوردة إلى الرئتين كي يخرج أثناء عملية الزفير (على عكس الدم الفاتح الذي يكون حينها مُحمّْلًا بالأُكسجين ومُتجهًا من الرئتين إلى الأنسجة). وهذا الأمر مُتفق عليه، وهو من المفاهيم الأساسية في الدور الطبية. أمَّا موضوع الدم المُتَكَتِّل فهو دمُ تعرَّض لِلتخَثُّر بفعل تعرُّضه لِلهواء الخارجي. وهنا ألفت الانتباه أيضًا إلى أنَّ الدم في حالة دوران مُستمر ولا يتوقَّف في موقع مُحدد لِيفسد (كما يدَّعي بعض من يُتاجر في الحِجَامة حينما يقول بأنَّه أخرج دم فاسد من ذلك النسيج المحجوم).

سادسًا، إنَّ ما يتم الحديث عنه من قِبَل بعض تُجَّار الحِجَامة بِخصوص تنشيط الدورة الدموية في الأنسجة التي يتم حِجامتُها أمرُّ بالإمكان تحقيقه من خلال التمارين الرياضية المُستهدِفة لِذلك النسيج. وعليه فإنَّه يجب أنْ لا يتم الأخذ بِما يقوله بعضهم من تلقاء نفسه دون دراسة واطلاع علمي ومعرفة إكلينيكية. ولو اكتفى مثل هؤلاء بالقول بأنَّها سُنة، لكان ذلك أكثر معقولية وقبول، بدلًا من التوسُّع في عناوينها الطبية دون دراية بِأمور الطب والطبابة.

ولِلتأكيد مرةً ثانيةً، فإنَّ النقاط أعلاه ليستْ بصدد إنكار الروايات بل أنَّها تأتي في سياق وضع النقاط على حروف بعض العناوين الطبية التي أعدُّها غاية في الأهمية وتتطلَّب انتباهًا جادًا من قِبل عموم الناس، وخصوصً أولئك الذين يُسلِّمون نفسهم لِمن هب ودب في الغُرف المُغلقة.

وما أعنيه هو: أنَّ تطبيق السُنة أمر حسن، ولكن توخِّي الحذر وعدم المُخاطرة مع المُتاجرين في هذه المهنة دون حسيبٍ أو رقيبٍ أمر مُستحسَن! وهي واقعًا استجابة لنداء القرآن الكريم ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وما يُبيِّن حقيقة أنَّها تجارة هو أنَّ مثل تلك الغرف تُعلَّق على جدرانها المُنتجات الربحية التي يتم الترويج لها من قِبَل الحجَّامين على المحجومين بعد أنْ ينتهون من عمل الحِجَامة، كالعسل والتمر والدبس والمراهم والمُليِّنات وما شابه من منتجات. بل أنَّ الأدهى واقعًا هو تسويق بعضهم لِبعض المُضادات الحيوية والأدوية الطبية على زبائنهم المحجومين كي يستخدمونها بعد أنْ يُغادرون إلى بيوتهم (وهو أمر في غاية الخطورة، وذلك لأنَّه يُلامس عنوان الأدوية الطبية التي تتطلَّب دراسة واطلاع).

وهنا أشير أنَّه خلال مراجعتي لِلبحوث المُحكَمة في أمور الحِجَامة لم أجد إلَّا بعض الدراسات التي كانتْ نتائجها شبه موسَّعة، كان من أهمها دراستين، أحدهما نُشِرت عام 2015م في مجلة "الطب الشعبي والبديل" (Journal of Traditional and Complementary Medicine) التي أشارتْ إلى: "أنَّه قد يكون لِلحجامة تأثير إيجابي في بعض الأمراض المحدَّدة فقط وليس كُلها". وهي نفس النتائج التي تمتْ الإشارة لها أيضًا مُسبقًا عام 2012م في التقرير الذي تم نشره في "بلوس ون" (PLoS One) من قِبل جامعة بيجين الصينية التي خلُصت إلى: "أنَّ موضوع الحِجَامة يحتاج لِدراسات أكثر عمقًا خصوصًا في ظل غياب الطرق الثابتة لِلحِجامة وغياب العينات العشوائية القادرة على كشف طبيعة الثغرات في هذا المجال"، حيث جاءتْ توجيهاتها مرتكزةً على النتائج التي أفضتْ إليها نشرتهم العلمية.

وهناك دراسات أُخرى تم اعتمادها في هذا المجال، كان من أهمها: (1) الدراسة التي نُشِرت عام 2013م من قِبل إحدى الفرق البحثية الألمانية في "بلوس ون" (PLoS One) أيضًا التي درستْ تأثير الحِجَامة على ألآم الرقبة، والتي استنتجتْ: "بأنَّ الحِجَامة لا تقدِّم أي نتائج جذرية مُقارنةً بِالعلاج الطبيعي المُرخِّي لِلعضلات خلال 12 شهر"؛ (2) والدراسة أيضًا التي نُشِرت عام 2006م في مجلة "الميكانيكا البيولوجية" (The Journal of Biomechanics) التي درستْ تأثير الضغط الذي تقوم به الحِجَامة على الأنسجة، والتي أفضت نتائجُها إلى: "أنَّ الحِجَامة لا تتعدَّى في تأثيرها النسيجي نطاق الموقع الذي تُطبَّق عليه من الجسد".

بل وأنَّ بعض الباحثين الأستراليين والصينيين راجعوا أيضًا ما يُقارب 135 دارسة في الحِجَامة ووجدوا بأنَّ الحِجَامة قد تكون فعَّالة في بعض الأمراض فقط (بشرط أنْ تكون مصحوبةً بِبعض العلاجات الأُخرى مثل الإبر الصينية أو بعض الأدوية). إلَّا أنَّ هؤلاء الباحثين اكتشفوا كذلك بأنَّ هناك الكثير من الثغرات الموجودة في الدراسات التي راجعوها؛ وهو الأمر الذي جعلهم ينهون خُلاصة مراجعتهم بالتوصية القائلة: "بأنَّ موضوع الحِجَامة يحتاج لِدعم من قبل دراسات أُخرى مُعتمدة".

والشيء بالشيء يُذكر، أُبيِّن هنا بأنَّه في العموم وفي ظل ما نراه بأم أعيننا من انفتاح لِباب المُتاجرة في الحِجَامة على مصراعيه وغياب نُظمها، فإنَّنا - حينها - نُشجِّع على موضوع التبرع بالدم، وذلك لأنَّ عملية التبرُّع بالدم مُحاطة بالنظم والقوانين المُقنِّنة لها في وقتنا الحالي (خصوصًا في ظل التقدّم الحاصل في الدائرة الطبية وتوفّر الأدوات المُناسبة لِلتبرع بالدم من أجل انقاد مريض محتاج حاجةً ماسةً له)، ولأنَّ أثارها الصحية الإيجابية تُغطِّي عمومًا - أيضًا - الكثير مِمَّا يُفترَض أن تُغطِّيه الحِجَامة (لا أقلها في نطاق ما هو مُتعارف عليه إكلينيكيًا)، ومن ضمنها تلك الحقيقة المُرتبِطة بِتجدُّد دم المُتبرِّع وتحفيز خلاياه الجذعية (في نخاع العظم) كي تعمل بنشاطٍ مُضاعفٍ وتقوم بإنتاج خلايا دم جديدة، وَإِنْ ظهر التبرُّع بالدم بلباس مختلف. بل ولأنَّ التبرع بالدم يقُدِّم في آنٍ واحدٍ فائدةً لِلشخص المُتَبرِّع، ولِلمُتَبرَّع له أيضًا، وثوابه مكتوب عند العلي القدير؛ مُصداقًا لقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، خصوصًا حينما نرى – من جانب أوَّلي – أنَّ دم الحِجَامة يُرمى في سِلال المُهملات، بينما نرى - في الجانب الأخر – الكثير من المرضى المحتاجين حاجةً ماسةً له يقفون منتظرين من يتبرّع لهم، بل وأنَّ منهم من يستغيث في غرف العمليات من أجل أنْ يجد أحدهم يُعطيه بعضًا من تلك القطرات الحمراء (التي تُعدُّ أكسير حياة بالنسبة له). وما ورد في هذه النقطة يأتي في إطار عدم وضوح الرؤية وغياب المعايير عند مُزاولي عملية الحِجَامة وليس انكارًا لها كسُنَّة، سِيَّمَا وأنَّنا كما فهمنا من بعض المُحجومين: "بأنَّهم لم يتبرّعوا بالدم قط في حياتهم".

لذا، فإنَّ خُلاصة كلامي سأصيغُها في هيئة سؤال، وهو: لماذا يتم (في ظل تحوّل الحِجَامة لِعنوانٍ تجاريٍ لا تحكمه معايير ولا تحدّه حدود) اللجوء لِتطبيقات مُمارسيها التي قد تعرُّضنا لِلمخاطر الصحية؟ ونُسلِّم أنفسنا لِمَن هب ودب كي يغرس إبره ومشارطه التي عليها ما عليها من استفهامات في ظهورنا ورؤوسنا من أجل أنْ يمُصّ دمنا في كؤوس مُدخَّنة؟ ولو توفَّر من هو فعلًا عارفٌ ومُطَّلِعٌ اطلاعًا حقيقيًا بهذه الدائرة الفسيولوجية المُتفرِّعة الأدرع والمُتعدِّدة الزوايا من واقع دراسة إكلينيكية وشهادة تطبيقية، والذي يرتكز في مُمارسته على القواعد البيولوجية التشريحية وعلاقتها بدورتها الدموية وكيفية انسياب الدم في تلك البقع الجسدية ومدى علاقة حركتها بِبعض الأمراض، والذي يعي مفاهيم ما ورد عن الرسول الأعظم (ص) أيضًا، لقلنا حينها بأنَّ الأمر هو من قبيل الإجراءات الطبية المُدارة من قِبل مَن درسوا قواعدها وأصولها.

وعليه، أرجو أنْ يتم الانتباه لِلمغزى الحقيقي من وراء هذا الطرح، الذي يحمل بين طيَّاته دعوة لِعدم تسليم أجسادنا التي هي أمانة من عند الله أودعها لِدينا لِكل من حمل إبرةً ومشرطًا وكأسًا مُدخَّنًا بِحجة أنَّه يقوم فقط بتطبيق السُنة النبوية (وقد لا يعي حقيقة التوجيه النبوي في هذا الجانب). وهذا كله طبعًا لا يعني إنكار حقيقة ما جاء مرويًا عن الرسول الأعظم محمد (ص) في موضوع الحِجَامة لا مِن قريب ولا من بعيد في حال تم توثيقها من قِبَل العارفين في الدائرة الدينية التحقيقية (شريطة وجود العارف بأمورها وخباياها التطبيقية).