Friday, 12 January 2018

ما حقيقة الأحياء المُعدَّلة وراثيًا؟


في مطلع هذا الشرح أُبيِّن بأنَّ ما يتم الاصطلاح عليه بِـ "الأحياء المُعدَّلة وراثيًا" (GMOs)، الشاملة لِلمحاصيل الزراعية والكائنات الحيوانية التي تم تعديل جيناتها في المختبرات الطبية، لم يتم التفكير فيها بطريقة مبالغة فيها، ولكنَّها حُورِبتْ أيضًا بطريقة فيها الكثير من المبالغة. فأخبار الأحياء المُعدَّلة وراثيًا دائمًا ما تكون متصلة بالبيئة، والمجاعة في العالم، والاقتصاد، والسياسة؛ ليس هذا فحسب بل وحتى بالصحة. فالكثير منا وللأسف الشديد لم يتمكن حتى الآن من مسك العصاة من وسطها وموازنتها الموازنة الصحيحة بخصوص نظرته لطبيعة هذا الموضوع.

فهؤلاء الذين يحاربونها يقولون بأنَّ أكل هذه الأحياء المُعدَّلة وراثيًا هي ضارة للإنسان؛ بينما من يدعمها يُحاجج بالقول بأنَّ هناك عدم فهم لطبيعة الفوائد التي تقدمها الأغذية المُستخلصة من الأحياء المُعدَّلة وراثيًا للمزارع والمصانع وعلى موائد الطعام. وهي مُفارقة غريبة في طبيعة الأطروحة التي يتبناها كلا الطرفين.

فالمسح المعمول عام 2015م بواسطة مركز ابحاث "بو" (the Pew Research Center) يكشف لنا هذا الانقسام بين الفريقين. ففي الجانب الأوَّل، نجد بأنَّ النتائج تكشف بأنَّ هناك ما يُعادل 9 من كل 10 من الباحثين المحسوبين على الاتحاد الأمريكي لتحسين العلم (the American Association for the Advancement of Science) يعتقدون بأنَّ الأحياء المُعدَّلة وراثيًا في العموم آمنة عند الأكل. بينما نجد في نفس الوقت بأنَّ أكثر من نصف البالغين من عوام الشعب الأمريكي - بالاعتماد على نفس المسح المعمول – يرون بأنَّ عدم أكلها هو الصواب.

بل أنَّ الغريب في الأمر هو أنَّ الناس عمومًا لا تتفق على إجابة السؤال القائل: متى يتم إطلاق عبارة "مُعدَّل وراثيًا" على الأحياء والأغذية؟ ولعل هذا ناتج من ضبابية هذا المصطلح وعدم فهم خباياه العلمية والطبيعية. بل أنَّ الناس يصلون إلى مرحلة الجدل حتى حول أهمية وضع لواصق تُبيِّن بأنَّ الغذاء مُعدَّل وراثيًا أو لا؟ حيث أنَّ نقاشاتهم تكتفي بالتعرُّض لطبيعة التأثيرات التي قد تظهر على المدى البعيد على أجسامنا جراء أكلها وعلى كوكب الأرض عند اختلاطها بمكونات الطبيعة.

ولهذا فإنَّ السؤال الجوهري الواجب التطرُّق له في هذا التحقيق هو: عن الذي يجب أنْ تعرفه كي تتمكَّن من اتخاذ القرار الجيد والمناسب لصحتك بخصوصها؟

طبيعة متسارعة تتجه للإمام بل هوادة


لو بدأنا بالأسس التي يقف عليها مبنى هذا الكيان المعرفي الذي يندرج تحت عبارة "مُعدَّل وراثيًا"، فإنَّ الإشارة الأوَّليَّة ستتطلَّب منا أنْ نذكر بأنَّ التغيرات الجينية ليستْ بالضرورة أمرًا سيئًا، فهي تحدث في الطبيعة وعلى نحو مُستمر ودون توقُّف. وفي الحقيقة، فإنَّه بغض النظر عن طبيعة ما هو موجود على القائمة الوجبات التي نختار منها (عند التفكير في طبيعة أغذيتنا اليوميَّة)، فإنَّها لن تكون مُماثلة تمامًا للذي كان يُزرَع قبل مئات وآلاف السنين. وهذه الحقيقة وإنْ كانت مُرة إلَّا أنَّها هي التوصيف الصحيح للصورة التي نراها بشكل يومي.

فبعض بقايا المادة الوراثية الـ د. ن. أ (DNA)، التي تُسمَّى بالجينات، هي المسؤولة عن كل أنواع الخصائص والصفات والمميزات في كل كائن حي، من الطول إلى الكيفية التي تعمل بها بعض الخلايا إلى بقية الخصائص والصفات والمميزات العامة والخاصة. فبعض هذه الخصائص والصفات والمميزات الجيدة التي تملكها هذه الجينات تُساعد النباتات والحيوانات على البقاء أو المقاومة بصورة أفضل من تلك التي لا تحتويها؛ ولهذا فإنَّ هذه النباتات المحتوية على مثل هذه الجينات تتمكن من التعايش مع بيئتها والتكاثر بصورة أفضل أيضًا معها مقارنةً بغيرها.

ولو رجعنا للوراء سنجد بأنَّ أسلافنا قد سرّعوا من هذه العملية عندما حفظوا حبوب المحاصيل كي تزرع في وقت لاحق. وهو الذي حوَّل أيضًا بعض المجموعات القصيرة والصغيرة الحجم التي تنمو مع الأعشاب الطويلة قبل حدود 10.000 سنة مضت إلى ذرة حلوة بشكلها التي نراها عليه في يومنا هذا. بل وأنَّ ما يتم الاصطلاح عليه بعملية التهجين عند آباءنا وأجدادنا المزارعين في نخيل المنطقة المُترامية الأطراف يندرج - بشكل مباشر أو غير مباشر - تحت هذا العنوان أيضًا. ولم يقتصر الأمر على النباتات بل وغطَّى في إجراءته الحيوانات أيضًا، فقد تم انتقاء أبناء السُلالات القادرة من بعض الحيوانات على التزاوج والتوالد بصفتها المُحسَّنة والجديدة.

وفي العموم، فإنَّ هذه العمليات مازالت تسير على نفس الإيقاع، وذلك من خلال تمرير الكثير والكثير من الأجيال الحية وتوفير بيئات لبعض الفصول الموسمية؛ بصفتها الطرق التي يستخدمها الباحثين في يومنا هذا من أجل خلق التغيرات والتعديلات الوراثية وتعزيز الأجواء المناسبة. فهم يغيرون جينات الحبوب بالإشعاعات والكيميائيات، ومن ثَمَّ يختارون من مجمل النباتات الناتجة الأنسب منها كي تدخل في عمليات التهجين. وهذا النوع من التطبيق هو أحد الطرق المُستخدَمة في تغيير وتعديل الجينات.

ولا تقتصر طرق تعديل الجينات على ما تم ذكره أعلاه، بل أنَّه يصل في أحد طُرقه إلى التدخل المباشر في المستودع الوراثي. وهي الطريقة التي يتم فيها قطع جين أو مجموعة من الجينات من النباتات، أو الفيروس، أو البكتريا، أو أي كائن حي آخر، من أجل إلغائه تمامًا والتخلص من معلوماته، أو من أجل لصقه بأحد الجينات الموجودة في المستودع الوراثي الخاص بكائن حي أخر من أجل نقل صفة معينة مرغوبة. فهذه النوعية من التطبيقات التي تتعدَّد تقنياتها وتكاليفها وطُرق استهدافها يتم وضعها عمومًا تحت عنوان "الهندسة الجينية"؛ حيث تستطيع أنْ تخلق كل ما يعتقد الناس بشأن ما يدور في فلك مصطلح "الأحياء المُعدَّلة وراثيًا" (GMOs).

وفي بعض الأوقات ينقل الباحثون الجينات التي تأتي من نفس الفصائل الحيَّة إلى فصائل حية شبيه بها، كنقلهم مثلًا لبعض صفات سلالات الطماطم الجيدة إلى سلالات أُخرى ضمن نطاق نوع الطماطم. إلَّا أنَّ مخاطر مثل هذا الإجراء قد يكمن في احتمالية خلط جينات بعض الكائنات المجهرية التي لا تُرى بالعين المُجرَّدة مع النبتة المُعدَّلة جينيًا، كنقلهم خطأ (مثلًا) لبعض جينات الفيروسات أو الفيروسات نفسها المُستخدمة بحثيًا في مثل هذه التطبيقات إلى النباتات المُستهدفة في عملية التعديل. إلَّا أنَّ عملية الرقابة والفحص المستمرين من قبل المؤسسات المُستقلة والمنظمات الصحية كفيلة بالحد من مثل هذه الأخطاء. ومع العلم من كل هذا، لا بُدَّ من التأكِّيد على أنَّ كل هذا الشرح هو ليس دعوة وتشجيع لأكل الأغذية المُعدَّلة وراثيًا، ولكنها توضيح لطبيعة ما يجري في هذا الحقل من تطبيقات تعنينا بشكل يومي.

وللإشارة فإنَّ الكثير من العلاجات الجينية المستهدفة لبعض الأمراض التي تصيب الإنسان، كتلك التي تستهدف نخاع العظم من أجل إجراء بعض الإصلاحات في طبيعة تركيب بعض الخلايا (كما يحدث في بعض الأمراض الوراثية الشاملة لمرض الأنيميا المنجلية) يدخل ضمن محاور نفس هذا الموضوع. بل وأنَّه يُفترَض أنْ يكون أكثر جذبًا بصفته هندسة وراثية تستهدف تغيير بعض مكونات خلايا الإنسان من أجل أنْ يتمكن من التخلص من بعض الصفات غير المرغوبة فيها. أو حتى تلك العمليات التي تقوم باستبعاد بعض الجينات المريضة عند الإنسان مع لحظة تلقيح الحيوان المنوي للبويضة في المختبرات الطبية من أجل تلافي حدوث بعض الأمراض عندما يكون الأبوين مريضين بمرض وراثي. فهل هذه الباء تجُرّ وتلك الباء لا تجُرّ؟

ما الذي يجعلك تُعير الموضوع كل هذا الاهتمام؟


إنَّ خلط فصائل النباتات وتهجينها هو الذي جعلنا نحصل مثلًا على ثمرة "البوبي" الخالية من الأمراض، ونباتات الذرة القادرة على مقاومة الجفاف، وفول الصويا المقاوم للأعشاب القاتلة، والبطاطا الخالية من التعرُّجات، وبقية المحاصيل التي تُعطي كميات أكثر من الانتاج بتكلفة أقل، وهكذا. وهذه العناوين هي بما لا شك فيه جيدة لقطاع التجارة الغذائية والإمدادات الزراعية. بل وأنَّ الكثير من الناس يقومون بها في المزارع عند ملاحظتهم لبعض السلالات الجيدة.

أضيف على ذلك أيضًا، بأنَّ بعض الأغذية قد تم تعديلها وراثيًا من أجل أنْ يتم مضاعفة كمية الفيتامينات أو المعادن وبقية المزايا الصحية الموجودة فيها. فعلى سبيل المثال، فإنَّ مجموعة من الباحثين السويسريين قد أوجدوا سلالة من الأرز الذهبي المُعزَّز بالكثير من البيتا-كاروتين، والكثير من مضادات الأكسدة، التي تجعل منه مادة غذائية داعمة لأنسجة العين والجلد (كما يتم تقديمه نظريًا في الدور العلمية). ليس هذا فحسب، بل وقد تم تغيير دهون فول الصويا من أجل تقريبه من تركيبة زيت الزيتون كي يصبح (بحسب رأي العاملين في هذا الحقل الهندسي الوراثي) بديلًا صديقًا لصحة القلب مقارنة بِالزيوت المحتوية على دهون متحوِّلة، وذلك كي يجعلوا منه زيتًا مقاومًا للحرارة ومناسبًا للطبخ. وهناك أيضًا البطاطا التي لا تحتوي على أي تشوهات في شكلها، والتي يُفترَض أنْ تحتوي على كمية أقل من الكيميائيات الطبيعية الداخلة في تركيبتها مثل الأكريملايد، والتي يُعتقد بأنَّها تُسبِّب أورام سرطانية في حال تحوَّلت بفعل تعرُّضها للحرارة عند عملية القلي.

وتقوم بعض الشركات المتخصصة في التقنيات البيولوجية بعمل تجارب تهدف لتحويل لحوم بعض الأسماك بطريقة أفضل للإنسان (على حد قولها)، كجعلها تحتوي على أوميجا-3 بكميات أكبر. حيث أنَّ هذه الأحماض الدهنية المكونة للأوميجا-3 تستطيع أنْ تُحسِّن من صحة القلب وتمنع الجلطات، وقد تمنع بعض الأورام السرطانية وبعض المشاكل الصحية الأُخرى. وهي تستطيع أيضًا أنْ تساعد على التحكُّم في الذئبة الحمراء والأكزيما والتهاب المفاصل. ولأنَّ جسم الإنسان لا يصنعها، لذا فإنّه لا بُدَّ من الحصول عليها من الأغذية.

وحيث أنَّ عدد السكان في نمو، فإنَّه يتوقع أنْ تصبح العملية أكثر تعقيدًا على المستوى النظري عند التفكير في اطعام كل سكان العالم (كما تقول المؤسسات الغربية). فتقديرات منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة التي يُصطلح عليها بالفاو (FAO) تذكر بأنَّه سيكون هناك حاجة ماسة في المستقبل لمضاعفة انتاج الغذاء في بعض الدول، خصوصًا مع حلول عام 2050م. ومن هنا يتم طرح فكرة التعديل الوراثي كأحد الحلول القادرة على توفير أغذية كافية في أراضي محدودة المساحة وقليلة المياه والمصادر الدعمة للمشاريع الزراعية.

ولكن الناس في الضفة الأُخرى قلقة بشأن الملوثات والحبوب القادمة من النباتات المُعدَّلة وراثيًا أيضًا (خوفًا من أنْ تنتشر خارج نطاق مساحاتها التي زُرِعتْ فيها). وبالمثل فإنَّ هذا القلق يتنامى عند تصوّر ما سيحدث في حال اختلطتْ الحيوانات المُعدَّلة وراثيًا مع تلك التي لم يتم تغيير مستودعها الجيني.

هل هي آمنة؟


تقول المتخصصة في وراثة الحيوانات والتقنيات البيولوجية في جامعة كاليفورنيا أليسون فان إنينام (Alison Van Eenennaam): "إنَّ الكثير من المُعارضين يعتقدون بأنَّ الـ د. ن. أ. (DNA) في الأغذية المُعدَّلة وراثيًا كما لو أنَّها سامة، أو أنَّها غذاء سيء". وتضيف أيضًا: "وفي الوقت الذي يبدو فيه مصطلح الـ د. ن. أ. (DNA) مُقزِّزًا غذائيًا، إلَّا أنَّه بقي على نحو مستمر جزءًا من مكونات مأكولاتنا اليومية، بل وأنَّه يُهضَم في معدنا مع بقية الأغذية؛ ولم يتم توثيق أنَّه كان سامًا على الإطلاق".

ويقول العامل في برنامج الغذاء الجيني في جامعة كورنل كيفن كلات (Kevin Klatt): "لقد حصلنا على عنب أحمر داكن اللون من خلال الطفرات الطبيعية، في الوقت الذي مازال البعض يتساءل عن سلامة كل التغيرات الجينية العشوائية التي حصلت أثناء تطويرها؛ والذي يجعل الناس في حالة قلق مستمر هو شعورهم بأنَّ هذه التغيرات تحصل بشكل مُتعمَّد في المختبرات".

ولقد قام مجموعة من الباحثين بمراجعة حثيثة للبحوث التي تعنى بسلامة المحاصيل المُعدَّلة وراثيًا خلال العشر سنوات الماضية؛ إلَّا أنَّهم لم يجدوا أي ضرر حقيقي مباشر يرتبط بتطبيقات الهندسة الوراثية. وهذا الكلام ليس تزكية لهذا التطبيقات ولا تشجيع عليها بل هو توصيف للواقع الحالي كما تنص عليه المؤسسات الرقابية.

وتعتقد المنظمة الأمريكية الطبية بأنَّ الأغذية المُعدَّلة وراثيًا مقبولة. وكجزء من إحدى العبارات الرسمية لها ذكرت بأنَّه خلال العشرين سنة الماضية، لم يكن هناك أي تأثير مؤكَّد تم تسجيله في المجلات التخصصية على صحة الإنسان جراء استهلاك الأغذية المُعدَّلة وراثيًا.

ولقد توافق طرح منظمة الفاو مع الطرح الذي جاءت به منظمة الصحة العالمية. فكلتاهما تحافظان على مجموعة من المعايير والنظم والممارسات التي ترتكز على مجموعة من القواعد العلمية، والتي يتم الإشارة لها بـ "دستور الأغذية" (Codex Alimentarius) القادرة على تقديم أغذية جيدة وآمنة لكل الناس. وهذه تشمل في تغطيتها دراسة التقنيات البيولوجية والهندسة الوراثية الداخلة في عملية تهيئتها أيضًا. والكثير من الحكومات تعتمد على هذا الدستور في كتابة نظمها وتوصياتها الغذائية.

ومع العلم من كل هذا، فمازال هناك اختلاف كبير في الآراء، حتى ضمن نطاق الباحثين والمتخصصين في هذه الدوائر المعرفية أنفسهم.

حيث نلاحظ مثلًا بأنَّ المتخصص في التقنيات البيولوجية والاستشاري في استراتيجية العمل ستيفن ماكدونالدز (Stephen MacDonald) يذكر: "بأنَّ كل الأغذية - وعلى جميع المستويات - مصنوعة من نفس التركيبة"؛ علمًا بأنَّه لا يحبذ الأغذية المُعدَّلة وراثيًا لأنَّه غير مقتنع بأنَّها تحتوي على نفس القيم الغذائية؛ حيث يقول: "لا أعتقد بأنَّها عمومًا خطيرة، ولكني في نفس الوقت لا أعتقد أيضًا بأنَّها آمنة بشكل كامل".

إلَّا أنَّ العامل في برنامج الغذاء الجيني في جامعة كورنل كيفن كلات (المذكور في بداية الحديث) يقول: "لا يُوجَد أي دليل يؤكِّد بأنَّ تعريض الأغذية للكيميائيات أو الإشعاعات هو أكثر آمن من عمليات الهندسة الجينية نفسها". فخلال الستين سنة الماضية، سببت هذه العمليات تغييرات جينية في الحبوب أعطتنا في حدود ثلاثة آلاف محصول مُغيَّر؛ فلماذا لم يكن هناك أي حديث بخصوص هذه العمليات؟ حيث يقول مُضيفًا: "قد لا تكون عوام الناس عارفةً بتقنيات التهجين الروتينية، لذا فهم أقل قلقًا بخصوصها". وبعبارة أُخرى، فإنَّ كيفن كلات يُريد أنْ يقول بأنَّ الأشعاعات والكيمياويات هي أكثر ضررًا من التعديل الجيني؛ ومع العلم من كل هذا لا نرى أحد يتحدَّث عنها أو يُشير لها كما هو الحال عند الحديث عن الأغذية المُعدَّلة وراثيًا التي هي أقل ضررًا منها بكثير.

دور منظمة الغذاء والدواء


إنَّ وظيفة منظمة الغذاء الدواء (FDA) هو التأكُّد بأنَّ الغذاء (سواء كان مُعدَّلًا وراثيًا أو لم يكن) هو آمن عند أكله. حيث أنَّ هذا الهدف هو مهمتها الرئيسة والتي من أجلها أُسِّستْ.

وخلال برنامج الاستشارة التقني البيوكيميائي الزراعي، أثارتْ منظمة الغذاء والدواء مخاوفًا بخصوص آمن الأغذية خلال عمليات هندستها الجينية، حيث كانت تسعى من وراء كل هذا أنْ تُساعد الباحثين على تعريف أنواع الفحوص الواجب عملها.

ولقد راجع فريق من باحثي منظمة الغذاء والدواء المعلومات التي قدَّمها الباحثون والمطورون في قطاع صناعة الغذاء والمزارع؛ حيث نظروا إلى الكيفية التي من خلالها تتم مقارنة الأغذية المُعدَّلة وراثيًا بالأغذية غير المعدلة وراثيًا؛ وذلك من أجل معرفة إذا كانت مختلفة غذائيًا أم لا؟ وهل الجينات الجديدة فيها قدَّمت شيئًا مضرًا أم لا أيضًا؟ فعلى سبيل المثال، فإنَّ فول الصويا الغني بالبروتين المُستخلَص من الجوز البرازيلي لم يتم وضعه في الأسواق وتم استبعاده بعد سلسلة من المراجعات، بل أنَّه لم يُقبَل حتى كغذاء للحيوانات، بسبب تحفيزه لبعض تفاعلات الحساسية عند بعض الناس.

ومن الإشارات الواجب الإلتفات لها هي أنَّ الأمراض والفيروسات النباتية لا تنتقل إلى الإنسان من النباتات عبر عناوين التعديل الوراثي، إلَّا أنَّه في الجانب الأخر يقوم بين وقت وآخر أحدها بالتسلل عادةً من الحيوانات إلى الإنسان (وليس من النباتات كما جرت العادة)، كبعض سلالات انفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور أو ما شابه من فيروسات. وذلك لأنَّ فيروسات الحيوانات يتم استخدامها أحيانًا في الهندسة الوراثية. ومع العلم من كل هذا، فإنَّ بعض الباحثين يُقلِّل من مقدرة هذه الفيروسات على إصابة الإنسان أو أي حيوانات أُخرى تأكل لحوم يتم انتاجها بهذه الطريقة. وفي حال انتقلت، فهي غالبًا ما تنتقل بطرق أُخرى وليس من خلال التعديل الوراثي.

ولهذا فإنَّ منظمة الغذاء والدواء تأخذ نسبيًا منحى مختلفًا عند تعاملها مع منتجات الحيوانات المُعدَّلة وراثيًا. فلقد أصدرتْ تنظيمًا يساعد الباحثين والمطورين على تطبيق معاير "دستور الغذاء" ومعاير منظمة الفاو. ومن جهة أُخرى، فإنَّ مركز طب البيطرة (The Center for Veterinary Medicine) يقوم بعمليات تهدف للتأكُّد من أنَّ ما يتم ذكره بشأن الأحياء والأغذية المعدلة وراثيًا آمن للأكل. ليس هذا فحسب، بل أنَّ معاهدة معايير البيئة الدولية تطلب من منظمة الغذاء والدواء بأنْ تأخذ التأثيرات الحرجة الخفية للحيوانات المُعدَّلة وراثيًا على البيئة بعين الاعتبار، والتي تشمل دراسة مدى مقدرتها على نشر الأمراض، وهل أنَّ انتقالها أمر بسيط أم لا؟

ويمتد عمل منظمة الغذاء والدواء في تغطيته لأسماك السالمون المُعدَّلة وراثيًا التي يتم وضعها في مزارع تجعلها تنمو بأحجام كبيرة في مدة تستغرق نصف الوقت الذي تأخذه في الحالات الطبيعة أيضًا، حيث تسعى من وراء هذا الأجراء أنْ تعرف كيف سيكون الوضع عند خلط هذه الأسماك بأخواتها التي لم يتم التلاعب في جيناتها، وكيف ستكون معيشتها وتكاثرها حينها. وحتى يتم تقليل المخاطر، فإنَّ مطوري القطاع الغذائي قاموا بتربية اسماك السالمون في مزارع آمنة في كندة وبنما. فأحواضها غير متصلة بأي مياه أُخرى، فهي محجوزة بواسطة حواجز مثل الشاشات والشباك من أجل منع الأسماك وبيضها من الخروج، وحتى يتم أيضًا منع الطيور وبقية الحيوانات من الدخول إليها. وأسماك السالمون التي يتم وضعها في مثل هذا الأحواض تُفحص من أجل التأكُّد من خلوها من الأمراض.

الجدير بالذكر هو أنَّه لا يُسمَح للأغذية المُعدَّلة وراثيًا بأنْ تُعرَض في المخازن في الولايات المتحدة حتى يقوم فريق منظمة الغذاء والدواء بإعطائها شهادات تُبيِّن بأنَّها آمنة. وفي النهاية، فإنَّ المطورين العاملين في القطاع الغذائي قانونًا مسؤولين عن آمن وسلامة الغذاء، كحال أي غذاء أخر نقوم بأكله من قبلهم.

هل تستطيع الأغذية المُعدَّلة وراثيًا أنْ تغيُّر من جيناتك؟


ومع العلم من كل الذي ذكرناه حتى الآن، فإنَّه لم يحدث من قبل، أنْ تغيَّر الأنسان جينيًا بسبب أكله لأغذية مُعدَّلة وراثيًا؛ وذلك لأنَّ المواد الوراثية لا يتم التقاطها من الغذاء كما يتم التقاط أي مادة ملقاة على الأرض؛ حيث أنَّ الجين المضاف لا ينفصل من تلك الأغذية ومن ثَمَّ سيلتصق بجيناتك (كما يتم تصويره).

فإنزيمات البكتيريا المُحارِبة والعمليات التي تجري في جسم الإنسان مُسخَّرة لمنع غزو الجينات الأجنبية. وفي هذا الشأن تذكر قنصلية المنظمة الطبية الأمريكية للعلم والصحة العامة (the American Medical Association's Council on Science and Public Health) بأنَّه في حال قاوم ميكروب خارجي – بطريقة ما – عمليات الهضم، ومن بعدها وصل إلى ميكروبات الجهاز الهضمي مثلًا، فإنَّه يجب أنْ يكون كافيًا في تركيزه وقريبًا من جيناتك الشخصية، وأنْ يكون في المكان المناسب وأنْ يأتي أيضًا في الوقت المناسب، ليتمكن من بعد ذلك من الالتحام بأحد جيناتك، ومن ثَمَّ يتم طرح السؤال: إذا ما كان قادرًا حينها على تغييرها أم لا؟

وحتى نضع الأشياء في نصابها الصحيح ونرسم إطارًا للموضوع برمته، سنقول: بأنَّه قد يكون ممكن (أو غير ممكن) للأغذية غير المُعدَّلة وراثيًا أنْ تغير جيناتك. فكل ما تأكله يحتوي على د. ن. أ. (DNA) ويقع تحت مظلة المواد الوراثية الغريبة على جسمك.

ومع العلم من كل هذا، فإنَّ الباحثين يتوخون عادةً الحذر ويبتعدون عن استخدام الجينات التي تظهر بأنَّها قد تسبب مشاكل مستقبلية.

ماذا يُوجَد في غذائك؟


لأنَّك لا تعلم بتفاصيل تراكيب المنتجات التجارية والأغذية المعلبة وبقية المأكولات المحفوظة في المخازن الغذائية والمطاعم المختلفة، فهو يعني بأنَّك قد تأكل أغذية مُعدَّلة وراثيًا الآن. ففي حدود ثمانين بالمئة من الأغذية المُصنَّعة في الولايات المتحدة تحتويها.

فمعظم السكريات التي نأكلها تأتي من البنجر، وتقريبًا كلها مُعدَّلة وراثيًا في أيامنا هذه. فتغيير جيناتها قد جعل من أحجمها أكبر وأكثر حلاوة وأشد قوامًا ولديها المقدرة على أنْ تعيش مدة أطول من تلك التي كانت تُزرَع في الماضي.

وتقول المتخصصة المتعاونة في وراثة الحيوانات والتقنيات البيولوجية في جامعة كاليفورنيا أليسون فان إنينام (المذكورة في بداية الحديث): "بأنَّه أيًا كانتْ طبيعة المصدر، فهي فقط سكر أو سكروز؛ وليس بها د. ن. أ. (DNA) أو بروتين". وتضيف على ذلك: "فهي ليست شيئًا مختلفًا أو تحتوي على المزيد من السكر الذي يأتي من بنجر السكر المُهندَس وراثيًا، فلا يوجد في السكر ما يُبيِّن طبيعة مصدره". وأنت في نهاية المطاف لا تستطيع أن تتجنب أكل "السكر المُهندَس وراثيًا"، وذلك لأنَّه غير موجود، كما تقول أليسون فان إنينام أيضًا.

والذرة المعدل وراثيًا هو مصدر الكثير من النشا المستخدم في المطابخ من أجل زيادة قوام الخلطات السائلة، بل وهو أيضًا الذي يُستخدَم في تحضير عصير الذرة وفي تحلية الأغذية والمشروبات.

وحبوب القطن والكانيولا وزيت فول الصويا المصنوع من الكائنات المُعدَّلة وراثيًا يُستخدَم في المايونيز، وفي خلطات السلطات، وفي حبوب الإفطار، وفي الخبز، وفي الوجبات الخفيفة.

وللإضافة، فإنَّ الكثير من الأغذية المُعدَّلة وراثيًا (بمعدل تقريبًا يصل إلى 90% من مجمل ما يتم زراعته) يتم استخدامه في تغذية الحيوانات. والدارسات تكشف بأنَّه لا يُوجَد اختلاف في تركيبة اللحوم والبيض والحليب وبقية الأغذية التي تأتي من الحيوانات التي يتم علفها وتغذيتها بمثل هذه الأغذيَّة المُعدَّلة وراثيًا وتلك التي لم تُعلَف وتتغذى على نفس المصدر.

ليس هذا فحسب، بل وأنَّ الحيوانات التي تغذتْ على المصادر المعدلة وراثيًا نفسها في العموم تتمتع بصحة جسدية جيدة كبقية أفراد نوعها التي لم تتم تغذيتها بالوجبات المُعدَّلة وراثيًا. ومنظمة الغذاء والدواء تقوم بالكشف عليها والتأكُّد من سلامتها أيضًا. وهنا أعيد تأكيدي على أنَّ كل هذا الشرح ليس تشجيع على أكل الأغذية المُعدَّلة وراثيًا بقدر ما هي توصيف للواقع وتفهم لما يدور حولنا من تطبيقات بصورتها الحقيقية.

هل تستطيع تجنُّبها؟


إنَّ الصين وأستراليا والاتحاد الأوروبي تفرض على الأغذية المُعدَّلة وراثيًا أنْ تكون مُعلَّمة بملصق توضيحي، ولكن الولايات المتحدة لا تفرض هذا الأمر. إلَّا أنَّه في الآونة الأخيرة بدأتْ الكثير من الولايات بالدخول في عملية تمرير أنظمة بشأن ضرورة استخدام مثل هذه الملصقات في حال بيع الأغذية المهندسة وراثيًا، إلَّا أنَّ بعض صُنَّاع الأنظمة الفيدرالية تحاول التصدي لهم وايقافهم.

فمنظمة الأغذية والدواء تُفضِّل وضع الملصقات بشكل اختياري على المنتجات؛ ولقد قامت بنشر توصيات بخصوص هذا الأمر لمصانع الأغذية. والمنظمة تنظر أيضًا إلى ملاحظات الناس المُتعلِّقة بهذا التوجيه، وتقوم أيضًا بأخذ الاعتراضات التي يقدمها المواطنون بعين الاعتبار.

والسؤال المرتبط بطبيعة المعلومات التي قد يحتاجها الملصق هو عنوان جدلي أخر ويحتاج لنقاش. فالأغذية المُغيِّرة جيناتها بالإشعاعات أو الكيميائيات المطروحة في الأسواق لا تندرج تحت عنوان أنظمة "الأغذية المُعدَّلة وراثيًا" ولا تحتاج لأنْ تكون معلمة بملصقات. فالطرق الحديثة المستخدمة في عمليات الهندسة الوراثية لا تُغطَّى بالأنظمة القديمة. لذا فإنَّك لن تتمكن من رؤية الملصقات عليها أيضًا. ولكن الأكاديمية الدولية للعلوم تقول بأنَّ عدم الثبات هذا ليس له معنى؛ حيث أنَّ الأهم هنا هو الحقيقة القائلة بأنَّ الجينات قد تم تغييرها صناعيًا، سواء كان هذا من خلال المختبرات أو من خلال الكيمياويات والأشعاعات.

وإذا أردت أنْ تكون بعيدًا عن الأغذية المُعدَّلة وراثيًا، فإنَّك لا بُدَّ أنْ تأكل الأغذية الطازجة والكاملة وغير المُعاملة صناعيًا والتي تحمل الملصقات الدالة على ذلك، مثل: "عضوي" (certified organic) أو (USDA organic). ولكن صُنَّاع هذه الأغذية يقومون بتقديم منتجاتهم معتمدين فقط على ثقة زبائنهم، ولا يتم فحصها بواسطة المؤسسات الحكومية. وهذا الأمر مقبول عند مقارنته بذاك الذي يظهر على الأغذية التي تم تغييرها بالكيميائيات والإشعاعات (كما تم الإشارة له في الفقرة السابقة).

وبالمناسبة، فإنَّ كل الأغذية التي يتم تقديمها بصفتها "غير مُعدَّلة وراثيًا" (non-GMO) و(GMO free)، لا يمكن علميًا أو قانونيًا التأكُّد منها وفحصها بأي طريقة. إلًا أنَّ مشاريع "الأغذية غير المُعدَّلة وراثيًا" غير الربحية قامت بتقديم شهادات مستقلة لبعض الأغذية الخاصة، ولبعض المنتجات التي تتجاوز أكثر من 1900 منتجًا، حيث أنَّها علمَّتها كمنتجات تم التعامل معها بأفضل التطبيقات التي تستبعد التعديل الوراثي (وكلها تحمل ملصقات عليها شهادات مشاريع الأغذية غير المُعدَّلة وراثيًا).

وفي اقسام الإنتاج، هناك فقط بعض الأغذية التي قد تكون في العموم أغذية مُعدَّلة وراثيًا بنسب كبيرة، ومن ضمنها: (1) البوبي القادم من هاواي، (2) القرع الصيفي، (3) الذرة الحلوة، (4) الكوسة، (5) حبوب البازلاء الخضراء.

والسالمون السريع النمو الذي مررته منظمة الغذاء والدواء في نوفمبر من عام 2015م (بعد عدة سنوات من الدراسة) يُحتمَل أنْ يكون أوَّل حيوان مُدرج في الأسواق تحت عنوان "غذاء مُعدَّل وراثيًا"، وذلك بعد تقديم النصوص التنظيمية التي تشرح كيفية وضع الملصقات عليه. ومع العلم من كل هذا، فسوف يستغرق موضوع مثل هذه الأسماك أشهرًا أو سنواتًا قبل التمكن من شرائه.

وتسعى بعض المخازن الكبرى المختلفة والمتوزعة في العالم المختلفة لأنْ تتأكَّد من أنَّ زبائنها تعرف ما تشتري وأنَّ لديها خيارات. فهذه المخازن توفِّر منتجات غير مُعدَّلة وراثيًا كذلك من شركات أُخرى.

وبالمناسبة، لا بُدَّ من الإشارة مرةً ثانيةً إلى أنَّك حينما تأكل في الخارج، فإنَّك لن تستطيع أنْ تضمن بأنَّ المطعم الذي تأكل فيه لا يستخدم مكونات غير مُعدَّلة وراثيًا. حيث أنّ نقطة التمييز الأولى تكون عند شراء المنتج وليس بعد طبخه وتقديمه في المطاعم. وذلك لأنَّك حينها لن تميز ما تم إضافته. وعليه، فإنَّ الذي يُزعِج الناس بعبارة "مُعدَّّل وراثيًا"، هل هو/هي مُلتفت لهذا الأمر؟

الجدل الكبير


إنَّ الدارسات والأبحاث الحالية تقول بأنَّ الأغذية المُعدَّلة وراثيًا لن تضر بالإنسان؛ ولكن القلق بشأن أنَّ الأغذية المُعدَّلة وراثيًا قد تسبب تغييرات جينية في الحيوانات الأكلة لها وحساسية أو أي مشكلة صحية حرجة أُخرى قد تستحوذ على مساحة من العمل البحثي المستقبلي. وحينها قد يكون هناك نتائج لم يفكِّر فيها أو يناقشها من قبل أحد؛ أو أنَّه قد يكون هناك صفات لم يتمكن الباحثين من فحصها بعد أو أنَّ المراجعين لم يأخذوها بعين الاعتبار من قبل.

وفي الأخير نؤكِّد على أنَّه يُفضَّل دائمًا أنْ ننظر بحذر شديد لتلك الدراسات، ونختار منها ما هو مُحدَّد بأُطر علمية فقط، أي التي لم يتم أجراؤها بطرق مزدوجة، والتي كانت في بيئات أكاديمية خالية من التأثيرات السياسية ومصالح المجموعات التجارية.
Wednesday, 10 January 2018
Friday, 5 January 2018
Wednesday, 27 December 2017

ماذا عن العسل؟ وسكر النبات؟



هل يرفع العسل السكر في الدم عند من يعاني من مرض السكر؟

أنَّ الكلام الذي يتم تداوله بشأن أنَّ العسل لا يتسبَّب في رفع السكر في الدم هو كلام غير صحيح، وهو من ضمن المغالطات الصحية التي قد تتسبَّب في إيذاء الناس (خصوصًا مرضى السكر). والصحيح هنا هو أنَّ نقول بأنَّ العسل مفيد وصحي اذا كان طبيعيًا وليس مغشوشًًا. ومع العلم من كل هذا، يجب تقنين تناوله بالنسبة لمرضى السكر، بل وحتى بالنسبة للاصحاء (أي في حدوده الطبيعية التي تدور في فلك الملعقة الواحدة الصغيرة يوميًا بالصورة التي تُحقِّق الفوائد المرجوة منه)، حاله حال التمر وبقية الأغذية الطبيعية الصحية التي يجب تقنين تناولها ضمن حدودها الطبيعية، كل وحالته الصحيَّة (فلا افراط ولا تفريط).

وماذا عن سكر النبات؟

بالنسبة لسكر النبات، فحاله حال السكر الأبيض، إلَّا أنَّ الفرق بينهما يكمن في أنَّ سكر النبات يُعدُّ غير مُكرَّر (في حال لم يتم التلاعب في مصادره، كما يفعل البعض). ويُفترَض أنْ تجميعه الأوَلي يرتكز على قصب السكر؛ لتتم من بعد ذلك عملية تحضيره بإضافة بعض المواد الأُخرى المُتنوِّعة أثناء غليه، من أجل بلورته؛ حيث يُضاف له الملح وأحيانًا الزعفران بحسب الرغبة، أو حتى الطحين وما شابه من مواد (أي على عكس السكر الأبيض الناعم الذي يتم تكريره في المصانع). لذا، فقد يكون سكر النبات أفضل من السكر المُكرَّر من هذه الناحية فقط (في حال فرضنا أنَّه لم يتضمَّن أي إضافات صناعية)؛ ولكنَّه في نهاية المطاف (وبغض النظر عن أي معيار تحضيري له) هو "سكر" ويجب التعامل معه ضمن هذه الحدود.
Saturday, 23 December 2017

الفرق بين سُكَّر الفاكهة والسُكَّر الصناعي المُكرَّر


سواء كان الذي نتناوله هو حبة فاكهة أو مشروب غازي أو قطعة من الكيك أو أي أكله سُكَّريَّة، فإنَّه في العموم سيكون محتويًا على مركبين رئيسين من السكريَّات الأحاديَّة، هما الفركتوز والجلوكور. فالحلاوة التي نحصل عليها من غالب الأغذيَّة ترتكز بالدرجة الأولى على الهيكلية والتركيبة الكيميائيَّة لجزيئات هذين النوعين من السُكريات الأحاديَّة، أيًا كان المصدر (مع استثناء السُكريَّات المُحلِّيَّة التي تحدَّثتُ عنها في تحقيق سابق تحت عنوان "بدائل السُكَّر المُحلِّية.. أمنة أم لا؟" على الرابط التالي: https://malmahrous.blogspot.com/2016/12/blog-post_24.html). ولاحظ بأنَّي أتحدَّث هنا في العموم عن أهم التراكيب السُكَّريَّة، دون الدخول في تفاصيل بقية الأنواع الأحاديَّة والثنائيَّة والمُعقَّدة من السُكريَّات (التي لا يعنينا أمرها كثيرًا في هذا الطرح، وذلك لأنَّنا نسعى لبيان صورة مُحدَّدة تستهدف تفنيد بعض المُغالطات التي يتم تدوالها عبر وسائل التواصل الإجتماعي والتي قد تضر بمن يُعانون من مرض السُكَّر).

ومع العلم من كل هذا، فإنَّنا عند التركيز على أصل ما تضمَّنته السطور السابقة، سنُلاحظ بأنَّ هناك اختلاف في تفصيل الحديث المرتبط بالسُكرِّيَّات المأخوذة من الفواكه أو من أي مصدر صناعي أخر تدخل في تركيبته السُكَّريات المُكرَّرة.

وأوَّل هذه الاختلافات يتعلَّق بنسب كل من الفركتوز والجلوكوز. فهما عمومًا بنفس النسبة تقريبًا في كل من الفاكهة والسُكَّر الصناعي المُكرَّر. حيث أنَّ معظم الفواكه تحتوي على نسبة من هذين النوعين من السُكَّر تتأرجَّح ما بين 40 و55 بالمئة من الفركتوز (مع وجود استثناءات في بعضها، كالتفاح الذي يحتوي على نسبة تصل إلى حدود 65 بالمئة، والتوت البري الذي يحتوي على نسبة تصل إلى حدود 20 بالمئة). بينما يحتوي السكَّر الصناعي المُكرَّر على نسبة تصل إلى 50 بالمئة من كليهما (أي من الفركتوز والجلوكوز). ولا نستطيع القول بأنَّ أحد هذين النوعين من السُكَّر هو أفضل أو أسوء من الأخر؛ إلَّا أنَّ الأهم والواجب الالتفات له هو أنَّ طريقة مُعالجة الجسم البشري لهما تختلف. فالفركتوز (سُكَّر الفاكهة) يتم تكسيره في الكبد، ولا يقوم بتحفيز البنكرياس على افراز الانسولين؛ بينما تبدأ عملية تفكيك الجلوكوز في المعدة، وهو يحتاج إلى إفراز الأنسولين في الدم من أجل أنْ تتم عملية الأيض الخاصة به بشكل كامل حتى تستفيد الخلايا منه.

وهنا يجب ألَّا يتم فهم هذا التقديم بصورة خاطئة. أي أنَّه يجب ألَّا يُفهَم منه: أنَّه بما أنَّ تركيب السُكَّر في كل من الفواكه والحلويات الصناعيَّة مُتشابه، فهذا يعني أنَّهما غذائيًا مُتشابهان أيضًا. ففي حقيقة الأمر هما مُختلفان؛ لِعدة أسباب جوهريَّة من أهمها التالي: -
  1. أنَّ الفواكه تحتوي تراكيب غذائيَّة مُفيدة لِلجسم البشري من أهمها الفيتامينات ومضادات الأكسدة والماء. بينما الحلويات الصناعيَّة والكيك والآيسكريم والكثير من المأكولات الشعبية التي تحتوي على السكريَّات المُكرَّرة هي فقيرة لِهذه القيم الإضافيَّة المهمة. 
  2. أنَّ الفواكه تحتوي عمومًا على سُكَّر أقل عند حسابها بِمعيار الحجم. فمثلًا نجد أنَّ كأس من حبات الفراولة تحتوي تقريبًا على 3.5 جرام من السُكَّر؛ بينما يحتوي كأس من آيسكريم الفراولة تقريبًا على 15 جرام من السُكَّر (ولاحظ الفرق). 
  3. أنَّ الفواكه تحتوي على الكثير من الألياف، التي تقوم في واقع الأمر بتقديم الكثير من الفوائد لِلجهاز الهضمي، إلَّا أنَّ الذي يعنينا فيها هنا هو أنَّها تُبطِّئ من عملية هضم الجلوكوز على وجه الخصوص، مِمَّا يجعل الجسم لا يفرز أنسولين بصور جنونيَّة، فيُرهق العضو المسؤول عن افرازه (أي البنكرياس) ويتسبَّب مع مرور الأيام في مشاكله الصحيَّة كما يفعل السُكَّر المُكرَّر والحلويات الصناعية والمأكولات الشعبية السُكَّريَّة. وهو يعني أيضًا: أنَّ الجسم البشري حينها سيكون لديه وقت أطوَّل لِلاستفادة من الجلوكوز الموجود في الفواكه كمصدر للطاقة قبل تخزينه كدهون. بل وحتى الفواكه المُجفَّفة، فهي في العموم تحتفظ بأليافها والكثير من قيمها الغذائيَّة؛ وهذا الكلام لا يعني التشجيع على أكلها على نحو مُطلقًا (خصوصًا تلك التي يُضاف لها السُكريَّات المُكرَّرة في المصانع)؛ حيث أنَّ البعض يأكل منها بكميات كبيرة بحجة أنَّها تحتوي على فوائد شبيهة بأخواتها الطازجة (وهذا خطأ)؛ فما هو موجود في لقمة من الزبيب من قيم غذائيَّة وسُكَّريَّة (حتى لو لم تكن مُحضَّرة في المصانع التجاريَّة) يختلف عمَّا هو موجود في نفس المقدار من العنب.

وفي الأخير أؤكَّد على أنَّ الكثير منا لا يأكل كميَّة كافية من الفواكه، ناسيًا بأنَّ ما نحصل عليه من الفواكه كقيمة غذائيَّة بِتنوِّعها العام هو مهم لِلجسم البشري. وهذا لا ينطبق مُطلقًا على السُكَّريات الصناعيَّة.
Thursday, 14 December 2017

حكاية الأندومي مع مادة مونو صوديوم جلوتوميت



بخصوص المنشورات التي تُركِّز على احتواء الأندومي على مادة جلوتوميت الصوديوم الأحادي أو "مونو صوديوم جلوتميت" (MSG) أو الملح الصيني بصفتها مادة خطيرة، فإنَّ هذه المنشورات لم تُخبرنا بِما تقود إليه هذه المادة فعليًا من مشاكل صحية بطريقة صحيحة وبما يتوافق ومنهج العقلاء في تصنيف المواد المُمرضة؛ وذلك لأنَّها بالغتْ في بعض المشاكل الصحية بطريقة انحيازية وليست علمية، بل وأنَّها لم تعتمد على أي نشرات دراسيَّة تُحدِّد المُعدلات الخطيرة لهذه المادة وطبيعتها. ومن جانب ثاني، فإنَّنا لابد أنْ نفهم حينها أيضًا (وهي النقطة الأهم) بأنَّ هذه المادة موجودة بِكميات مُضاعفة في الكثير من الأغذية الشرق أسيوية كالصينية واليابانية التي يتغلل زيت الصودا وما شابه من مواد في مأكولاتها، بل والتي لا تستغني عنها مطاعمُها؛ حيث أنَّها بشكل سريع بدأتْ تَتَدَرَّج لتدخل في الكثير من الأغذية العالمية الشاملة حتى لِلأغذية العربية، بل وأنَّها موجودة أيضًا في بعض الأغذية الطبيعية. وبالتالي، فحينما يرفض البعض "الأندومي" على أساس وجود هذه المادة فيه (ولا بأس بقبول هكذا توجه إذا كان صاحبه مقتنع به)، فإنَّه لابد أنْ يكون معيار التطبيق حينها موحَّدًا، وأنْ يقوم هؤلاء أيضًا بِرفض بقية الأغذية المحتوية على هذه المادة بالارتكاز على نفس المعيار؛ فالازدواجيَّة والانتقائيَّة في رفض بعض الأغذية وقبول بعضها الأخر بهذه الطريقة لا يدل على فهم الحقيقة العلميَّة من وراء ما نُسمِّيه بِـ "التثقيف الغذائي". فتراه يتغنَّى بعدم أكله لِلأندومي من جانب، وهو منغمسٌ في أكل أغذية تجارية تحتوي على نفس المكونات من جانب أخر... (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)!