Tuesday, 26 June 2018

هل كان غذاء أهل العلم والورع والتقوى في العصور القديمة متوافقًا مع الأنظمة الصحية الحديثة؟


س/ لقد كان الكثير من أهل العلم والورع والتقوى (بل وحتى الزاهدين في الديانات والفلسفات الأخرى) يقتصرون في أغذيتها على الفواكه والخضروات، بل وأنَّهم كانوا يأكلون القليل من بقية المجموعات الغذائية، دون أنْ يلتزمون بالحصص المنصوص عليها من العناصر الغذائية التي يتم التأكيد عليها على نحو دائم في أيامنا هذه؛ حيث أنَّنا نسمع بأستمرار عن الكثير منهم بأنَّهم كانوا كثيري الصيام وقليلي الأطباق الغذائية عند إفطارهم (بعد فترة جوع قد تستمر لمدة لا تقل عن 16 ساعة)؛ ومع العلم من كل هذا هم في تمام صحتهم وكانوا لا يشتكون من أي أمراض شبيهة بأمراضنا الراهنة. وهو الأمر الذي يأتي مُخالفًا لتعاليم المؤسسات الغذائية الحالية والمنظمات الصحية العالمية التي تنص بعض بنودها - مثلًا - على النصح بتعدد الوجبات وزيادتها وتنظيم حصصها بالتساوي وبالمقادير الدقيقة كي يتسنى للإنسان أنْ يتمتع بصحة جيدة. ومن هنا يتبلور السؤال القائل: كيف لنا أنْ نوفِّق بين تعاليم الطب الحديث بشأن النظم الغذائية وبين الواقع الذي نسمع به والذي كان غالب هؤلاء القدماء الصالحين متعايشين معه؟

ج/ اختصار الإجابة تكمن في كلمات السر التالية: -
  • إنَّ العبرة في نوعية الغذاء لا في كميته. بل أنَّ الحصول على كمية زائدة منه أثناء الوجبات هو من الممارسات الخاطئة في التغذية خصوصًا حينما يكون على حساب حصتي السوائل والهواء في المعدة. حيث أنَّ المعدة - عمومًا - يجب أنْ تبقى على نحو دائم مقسمة لثلاثة أقسام: غذاء صلب وسوائل وهواء. ولقد جاءت تقنية توزيع الأغذية كأحد الحلول لتحقيق هذا المفهوم، وليس من أجل زيادة الغذاء فوق معدل الحاجة له. ولعل هذا هو الذي كان الكثير من أصحاب العلم والورع والتقوى يقتاتون عليه.
  • إنَّ الصيام يعطي المجال للجهاز الهضمي وللكثير من الأعضاء الحيوية كي تأخذ وقت من الراحة والتعافي من ضغط الوجبات واستمرارها. بل أنَّه وسيلة من وسائل تنظيف الجسم من التراكمات غير المرغوب فيها؛ مصداقًا لما هو مروي عنه (ص): "صوموا تصحوا". ولعل هذا هو من الممارسات التي تتوافق مع الطب الحديث ولا تخالفه قيد أنملة.
  • إنَّ طبيعة الحياة في تلك الأيام وقلة الموارد الغذائية كانت تدفع الناس بشكل تلقائي للاعتماد على الأغذية الزراعية الطبيعية المعدودة في يومنا هذا كأحد الكنوز المجهولة والمتمثلة في الحشائش الخضراء والخضراوات والفواكه. حيث إنَّ الناس في مثل هذه الأيام قد هجروها، أو لا أقلها ما عادوا يعتمدون عليها بالصورة التي يجب أنْ تكون عليها.
  • إنَّ أغذيتنا في مثل هذه الأيام بدأت تقتصر بالدرجة الأولى على النشويات المتمثلة في الأرز والمخبوزات المختلفة واللحوم الحمراء ظنًا منا بأنَّها الغذاء الصحي.
  • إنَّ نظامنا الغذائي لم يعد يتوافق مع النظام الهرمي الذي يُفترَض أنْ يكون مُتدرِّجًا في انخفاض كميته (من لحظة الاستيقاظ الأولى حتى اللحظة الأخيرة من الْيَوْمَا)، وأنْ لا تأتي الوجبات قبل النوم مباشرةً.
  • إنَّ عدم الاستقلالية في النظم الغذائية والاعتماد فيها بالدرجة الأولى على ما هو مستورد فقط، والذي يأتي غالبًا لنا محفوظًا أو مثلَّجًا قد أفقد أغذيتنا الكثير من جودتها.
  • إنَّ استهلاك السكر الأبيض المكرر التجاري في أيامنا هذه والابتعاد عن الطبيعي منه قد أرهق أجسامنا وأتعبها وأثَّر على مقاومتها. وهو الأمر الذي لم يكن ضمن أنظمة القدماء. وهنا يكفي أنْ نرتكز على الطبيعي منه وألَّا نرضى بغيره.
  • إنَّ من أهم ما تخلّينا عنه في مثل هذه الأيام هو الحركة والحركة والحركة التي بها يستقيم الجسمالبشري، والتي بها يستطيع أنْ يستعيد عافيته ويقوِّي أجهزته. والمقصود بالحركة هنا بدل المجهود الذي يجعل الإنسان يتنفَّس بصورة متزايدة ويتعرّق على نحو ملحوظ. فمقارنة واقعنا بواقع القدماء غير عادلة، فلا عملنا كعملهم ولا حركتنا كحركتهم.
  • أمَّا الأمر الأخير فهو أنَّنا لا نملك من الإحصائيات ما يجعلنا نؤكِّد باليقين القاطع بأنَّ صحة الكثير من أهل العلم والورع والتقوى كانت أفضل من صحتنا، ولا ما يبين لنا أيضًا بأنَّ صحتنا أفضل من صحتهم. ولكن المؤكَّد أنَّ النقاط المذكورة أعلاه هي من النقاط الواجب الالتفات لها، فكلها نقاط تتوافق مع العقل والمنطق، هذا فضلًا عن توافقها مع جميع المدارس الصحية (القديمة منها والحديثة).
ومن هنا، نستطيع القول بأنَّ هناك توافقًا بين نُظم أهل العلم والورع والتقوى الغذائية وطبيعة النصوص التي تؤكِّد عليها المؤسسات الصحية المثبتة علميًّا والمُستندة على الأدلة والبراهين المحكمة (وَإِنْ كان توافقًا عفويًّا). بل أنَّ نصوص المؤسسات الصحية قد جاءت موجَّهة لنا - نحن أبناء المرحلة الحالية - بعد أنْ تخلَّينا عن الإلتزام بما يُفترَض أنْ نقوم به والذي يُفترَض أنْ يكون مُتماثلًا في إيقاعه مع إيقاع ذلك الواقع الذي عاشه غالب هؤاء القدماء.
Monday, 25 June 2018
Sunday, 10 June 2018
Friday, 8 June 2018
Sunday, 27 May 2018

ما حقيقة بعض الدراسات التي تبدو في نظر البعض بأنَّها تُساند الرياضة أثناء الصيام؟


لقد أطلعتُ مؤخَّرًا على رسالة أرسلها لي أحد الإخوة تضمَّنتْ نشرتين علميتين (وضعتُ تفاصيلهما في نهاية هذا الرد)، حيث ذكر لي حينها بأنَّهما تدعمان مُمارسة الرياضية قبل الصيام (على حد قوله). وهما نشرتان قرأتُهما بالكامل من زمن مضى عند تصفُّحي ومعاينتي لغالب النشرات التي كانت تعني بهذا الجانب (عندما كنتُ أجمع معلومات الدراسات والبحوث المُختلفة الصياغات والأطروحات النقاشية في هذه الدائرة الضبابية).

وهنا لابد من بيان مجموعة من الملاحظات المهمة المُتَعلِّقة بهتين النشرتين على وجه الخصوص، وبما جاء على غرارهما من نشرات شبيهة.

أولًا: الدراسة الأولى تُركِّز على" الأداء الجسدي" (physical performance) وتناقشها في الأحوال المثالية المدروسة من قبل المحترفين التي لا تندرج تحت عنوان "الظروف القصوى" (extreme conditions). وعبارة الظروف القصوى أو غير الاعتيادية هي الظروف التي تعني تجاوز بعض المعايير حدودها، كارتفاع درجة الحرارة والرطوبة وأشعة الشمس وغيرها من معايير مهمة (كما ناقشتُها معكم في إحدى الروابط التي أرسلتُها لكم من قبل)، والتي هي محط اهتمام الفيفا وغيرها من دور رياضية، والتي تدفعها أيضًا لإيقاف مبارياتها في حال أنَّها تحقَّقتْ. وهي ظروف يعتقد الكثير منا وللأسف الشديد - في أجوائنا الخليجية - بأنَّها مقبولة،  وهذا غير صحيح، وذلك لأنَّ النصوص والنظم الرياضية تعترض عليها! ولنا في الشروط التي طرحتها الفيفا على دولة قطر من أجل الموافقة على استضافة كأس العالم مثال يحتذى به في هذا الشأن؛ حيث قيَّدتها بصالات مغلقة وما شابه من قيود كي تبقى تلك المعايير ضمن حدودها المقبولة؛ ولقد كان هذا في الوقت الذي يُفترَض أنْ يكون فيه اللاعبون المحترفون مزودَّون بالسوائل والمُكمِّلات الغذائية على نحو مدروس كونهم محترفين رياضيًا ويتمتعون بصحةٍ جيدةٍ، فلاحظ. يضاف له أمثلة أخرى قامتْ فيها الفيفا بإيقاف مبارياتها في البرازيل وغيرها من دول شبيهة بأجوائها. وهذا الأمر يعلم به كل من يُشاهد المباريات من أبنائنا في المنطقة.

ثانيًا: إنَّ نفس الدراسة أكّدت على أنَّها لم تستطع الإجابة على كامل الأسئلة عند تفاقم تلك الظّروف. وهذا الكلام بالنسبة للمحترفين وليس الهواة (وهي نقطة مهمة). بل وأنَّها طالبتْ أيضًا بدراسات مستقبلية تستهدف هذا الجانب الحسَّاس.

ثالثًا: لقد بقي محور الجفاف والضغط الموجّه للأجهزة الداخلية التي من أهمها الكليتين من أهم مرتكزاتها. وعند مناقشتها لموضوع عطاء الرياضين خلال شهر الصيام عند المسلمين قيّدته بضرورة توفير الظروف المثالية التي لا تُسبِّب أي ضغط على الأجهزة الحيوية.

رابعًا: وهي المُلاحظة المرتبطة بفحوى ما جاءتْ به الدراسة الثانية؛ والتي حاكتْ في طرحها محاور الدراسة الأولى حينما أكّدت في خلاصتها الأخيرة على أنَّه بإمكان النخبة من الرياضيين (elites) ممارسة الرياضة بشكل آمن: (١) في حال تزودوا بالسوائل بصورة كافية أثناء الليل، (٢) وفِي حال أيضًا كانوا في ظروف تمنع فقدهم للسوائل أثناء النهار (وهي ظروف محكومة بالكثير من المعايير المدروسة عند الدور الرياضية المحترفة التي يشرف عليها متخصِّصون صحيون). ومن هنا نلاحظ طبيعة التحدّيات المطروحة في جانب من جوانب الصحة المهم. ومن هنا نسأل: هل هذا الأمر الذي جاء في دراسة تستهدف النخبة من الرياضيين هو ما نسعى لتقديمه لأحبتنا الهواة الصائمين في المنطقة؟!

خامسًا: كلتا الدراستين تناقشا توفير الحلول لِلرياضين النخبويين (elite sport-men and women) في حال اضطرهم الأمر لممارسة التمارين في نهار شهر رمضان استعدادًا للمنافسات الرياضية (أي عند الضرورة وليس كنصيحة عامة)، ولكنَّها أيضًا - وهي نقطة في غاية الأهمية - لم تنصح به لغيرهم. ونحن نعلم بطبيعة هذا الأمر. ولقد أشرتُ لتجربة لها رابط موجود في المقال الذي أرسلته لكم مسبقًا تبين تراكم النترات في الكليتين عند لاعب محترف، وتشرح مقاومته لها في إطار الضغط الذي بذله بصورة احترافية فقط، ولكنَّها لم تكن أمنة له. بل وأنَّ نفس هذه الدراسة قد أكَّدتْ على أنَّ أي شخص من الهواة قد يُصاب بأعراض صحية عويصة في حال قام بنفس التمرين كما تم تأكيده من قِبَل مركز الدراسات والبحوث للعلوم الرياضية. وهو الرابط الموجود على العنوان التالي: https://youtu.be/3ysp9KxUDFM.

سادسًا: لقد ذكرتُ في معرض كلامي المُختصَر في المقطع المصوّر الأخير على الرابط التالي: https://youtu.be/vH9FkrbRn58، بأنَّنا لو تجازونا موضوع الضرر وضمنا بأنَّه لن يقع مطلقًا، فهل هذا سيعني تحقُّق الفائدة الرياضية المرجوة وثبوت التوصية بممارسة الرياضة في نهار شهر رمضان بالصورة التي رسمناها في أدمعتنا؟! وهل هذا سيعني أيضًا بأنَّنا سنُحقِّق الهدف الذي نسعى له من خلال هذه الممارسة.

سابعًا: لابد من أخذ الصورة كاملةً عند تحليل هذا الموضوع (ولا بأس بالاختلاف في الطرح). ولا يجوز النظر فقط من زاوية واحدة. فمجمل الصورة تتضمن مجموعة نقاط صحية، والدراسات قد تستهدف عناوين أخرى قد لا تبدو مرتبطة بشكل مباشر بعنوان الرياضة أثناء الصيام. لذا نحن نذكر بعض الدراسات غير المباشرة في حوارها لبعض الجُزئِيَات التي تناقش بعض المسائل الصحية المتداخلة في رسم كامل الإطار. وعليه، فإنَّ من يبحث عن عبارات بعينها كالصيام ورمضان فقط فقد لا يصل إلى نتيجة.

ثامنًا: (وهذا للتوضيح فقط) إنَّ مفهوم الصيام (fasting) عند الغرب ما لم يقترن بعبارة رمضان (Ramadan fasting)، فمعناه يختلف عن المعنى الذي نطبّقه نحن والذي يعني الامتناع الكامل عن الأكل والشرب لمدة تستمر قرابة ١٦ ساعة فيها ينخفض مستوى الطاقة والسوائل لأدنى مستوياتها، خصوصًا وأنَّ بعض الأحبة قد استشهد بمقطع يُبيِّن أحد لاعبي كمال الأجسام الأجانب وهو يذكر مصطلح الصيام عند ممارسته للتمارين. وهو واقعًا كان يتحدَّث عن عنوان المعدة الفارغة لفترة محدودة فقط مع دوام الحصول على الماء ومنع تعطش الأنسجة (حيث استخدمها كَتقنية خاصة من قِبَله لها أهداف خاصة بالنسبة له). فاختلط عليهم المفهوم بمصطلح الصيام خلال شهر رمضان (وهو مقطع يتداوله البعض).

تاسعًا: جميع النقاط المذكورة في هذا الرد حتى الآن - على أهميتها - إلَّا إنَّها لم تناقش الوطأة الصحية التي قد تنتاب من يعانون من أمراض وراثية ومزمنة، ومن لا يتمتعون باللياقة الكاملة، ومن الذين لا يعرفون - أيضًا - الرياضة إلَّا خلال شهر رمضان، في حال عمدوا لتعريض أنفسهم لمثل هذه الضغوط الجسدية وهم صائمون!

--------------------------------------------------------------------------------------------------
  • Chaouachi A, Leiper JB, Chtourou H, Aziz AR, Chamari K. The effects of Ramadan intermittent fasting on athletic performance: recommendations for the maintenance of physical fitness. J Sports Sci. 2012;30 Suppl 1:S53-73.
  • Trabelsi Khaled, Chaker Ahmed, Ghlisssi Zohra, Kallel Choumous, Sahnoun Zouheir, Zeghal Khaled Mounir, Hakim Ahmed. Physical activity during Ramadan fasting: Effects on body composition, hematological and biochemical parameters. IOSR Journal of Pharmacy. Volume 2 Issue 5. Sep-Oct 2012. PP.33-41. 
Friday, 25 May 2018