Sunday, 15 March 2026

التشابك الكمومي والدماغ: بين الصرامة الفيزيائية وحدود التفسير البيولوجي


حين يُطرح مفهوم التشابك الكمومي (Quantum entanglement) في سياق الدماغ أو الخلايا الحية، فإننا ندخل منطقة فكرية وعلمية شديدة الحساسية؛ منطقةٍ تلتقي فيها فيزياء الكم (Quantum mechanics)، بوصفها أكثر نظريات الطبيعة دقة في توصيف العالم المجهري، مع البيولوجيا العصبية، بوصفها من أكثر العلوم تعقيدًا من حيث تعدد المستويات والتنظيم والوظيفة. ومن هنا فإن أي تناول علمي جاد لهذا الموضوع لا بد أن يميز بوضوح بين ثلاثة مستويات: ما هو ثابت في الفيزياء، وما هو مرجّح أو معقول في البيولوجيا الكمومية، وما هو افتراضي أو تأملي عندما يُنقل الحديث إلى الدماغ والوعي. 

التشابك الكمومي، في معناه الفيزيائي، ليس مجرد “ترابط” بين جسيمين، بل هو بنية ترابط غير كلاسيكية تجعل وصف حالة أحد النظامين غير مكتمل دون الآخر، حتى لو تباعدا مكانيًا. وهو من أكثر ظواهر الكم رسوخًا من الناحية النظرية والتجريبية. غير أن ثبوت التشابك في الأنظمة الفيزيائية المعزولة أو المضبوطة مخبريًا لا يعني تلقائيًا أنه يعمل بالطريقة نفسها داخل الأنظمة البيولوجية المعقدة، لأن السؤال في الأحياء ليس: هل قوانين الكم موجودة؟ بل: هل تبقى التأثيراتالكمومية المنظمة ذات صلة وظيفية على مقياس زمني ومكاني يسمح لها بالتأثير في الظاهرة الحيوية نفسها؟ 

ومن هنا ظهر حقل البيولوجيا الكمومية (Quantum biology)، الذي لا ينطلق من الادعاء بأن الحياة “غامضة” أو “فوق كلاسيكية” بالضرورة، بل من سؤال أكثر تحديدًا: هل توجد في بعض الأنظمة الحيوية آليات استطاعت، عبر التطور، أن تستفيد من ظواهر مثل النفق الكمومي (Quantum tunneling) أو التماسك الكمومي (Quantum coherence) أو ربما أشكال من الارتباط الكمومي، لتحسين الكفاءة أو الانتقائية أو سرعة النقل؟ والمراجعات الحديثة تشير إلى أن هذا الحقل لم يعد محض تخمين فلسفي؛ فهناك نماذج ومؤشرات معتبرة في بعض الظواهر الحيوية، وإن كانت قوة الدليل تختلف من نظام لآخر. لكن هذه النجاحات النسبية في البيولوجيا الكمومية لا تكفي وحدها لتبرير القفز مباشرة إلى الدماغ أو الوعي. 

وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فالدماغ ليس بلورة باردة ولا نظامًا معزولًا قليل الضوضاء، بل هو وسط دافئ، رطب، عالي التفاعل، شديد التعقيد، وغني بالتقلبات الحرارية والكيميائية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المحافظة على الحالات الكمومية الحساسة أمرًا بالغ الصعوبة بسبب ما يعرف بـ فقدان الترابط الكمومي أو (decoherence). وهذه النقطة ليست تفصيلًا تقنيًا صغيرًا، بل هي الاعتراض المركزي الذي يجعل كثيرًا من علماء الأعصاب والفيزياء الحيوية يتحفظون على أي دعوى واسعة حول دور التشابك الكمومي في وظائف الدماغ العليا. فالسؤال ليس هل يمكن أن تنشأ حالة كمومية ما لحظيًا على مستوى جزيئي، بل هل يمكن أن تستمر، وتنتقل، وتتكامل، وتؤدي دورًا سببيًا ذا معنى على مستوى الشبكات العصبية أو التجربة الواعية. 

ومع ذلك، فإن التحفظ العلمي لا يعني إغلاق الباب. فثمة عدة مسارات نظرية حاولت أن تستكشف إمكان وجود طبقة كمومية ذات صلة بالعمل العصبي. من أشهرها الفرضيات المرتبطة بـ الأنابيب الدقيقة داخل الخلايا العصبية (microtubules)، والتي تقترح أن البنية الخلوية الداخلية قد لا تكون مجرد دعامة هيكلية، بل ربما توفر، في ظروف معينة، وسطًا يسمح بأشكال من التماسك أو المعالجة الكمومية. كما ظهرت مقاربات أخرى تتحدث عن دور محتمل للسبينات النووية (nuclear spins)، أو الفوتونات الحيوية (biophotons)، أو البنى الجزيئية شديدة التنظيم (highly organized molecular structures). إلا أن هذه الطروحات، على الرغم من جاذبيتها النظرية، ما تزال موضع نقاش شديد، ولم ترتقِ إلى مستوى النموذج العصبي المعتمد تجريبيًا لتفسير الوعي أو الإدراك أو التكامل الوظيفي في الدماغ. 

ومن المهم هنا التمييز بين “الكمومي” (Quantum) و“الكمومي الوظيفي” (functionally quantum). فكل مادة في أصلها تخضع لقوانين الكم؛ هذا صحيح بلا نزاع. لكن ليس كل ما يخضع لقوانين الكم يُظهر سلوكًا كموميًا مترابطًا على مستوى يمكن أن يفسر وظيفة حيوية كبرى. قد تكون هناك عمليات دقيقة داخل الجزيئات أو البروتينات أو الروابط الكيميائية ذات توصيف كمومي، وهذا متوقع طبيعيًا؛ لكن الادعاء بأن الدماغ يعتمد على التشابك الكمومي بوصفه آلية تشغيل مركزية، أو أن الوعي نفسه ناتج مباشرة عن هذه الظاهرة، هو ادعاء أكبر بكثير من الأدلة المتاحة حاليًا. 

كما أن هناك فرقًا منهجيًا مهمًا بين النموذج المفسِّر والنموذج المستلهم. ففي بعض الأدبيات، تُستخدم لغة الكم أحيانًا بوصفها مجازًا أو إطارًا رياضيًا لوصف ظواهر معقدة في الإدراك أو اتخاذ القرار أو تكامل المعلومات، دون أن يعني ذلك وجود تشابك كمومي فعلي داخل النسيج العصبي. وهذا الاستخدام، وإن كان مشروعًا رياضيًا في بعض السياقات، ينبغي ألا يُخلط مع الادعاء الفيزيائي المباشر بوجود حالات تشابك مستدامة وفعالة في الدماغ البيولوجي. كثير من الالتباس في هذا المجال نشأ أصلًا من الخلط بين “النمذجة الكمية” (quantum modeling) و“الآلية الكمية الفعلية” (actual quantum mechanism). 

السبب الذي يجعل هذا الموضوع مغريًا فكريًا هو أن الدماغ، من الناحية العصبية، يُظهر بالفعل خصائص محيرة: تكاملًا واسع النطاق، تزامنًا شبكيًا، انتقالات طورية، ديناميكيات غير خطية، وحالات عالمية موحدة نسبيًا في الخبرة الواعية. وهذه السمات تدفع بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت التفسيرات الكلاسيكية كافية وحدها، أو ما إذا كانت هناك طبقة أعمق من التنظيم الفيزيائي لم تُفهم بعد. لكن السؤال المشروع لا يعادل الجواب المثبت. وحتى الآن، لا يوجد إجماع علمي معتبر يقول إن التشابك الكمومي هو التفسير المعتمد لهذه السمات العصبية، بل إن معظم ما يطرح في هذا الباب لا يزال في حدود الفرضيات البحثية أو البرامج النظرية الاستكشافية. 

ولهذا، فإن اللغة العلمية الأدق ليست أن نقول: “الدماغ يعمل بالتشابك الكمومي”، ولا أن نقول في المقابل: “هذا مستحيل تمامًا”. الأدق هو القول إن وجود تأثيرات كمومية في الأنظمة الحيوية أصبح مجالًا علميًا جادًا في بعض السياقات، أما نقل ذلك إلى الدماغ والوعي فما يزال غير محسوم، ويواجه عقبات مفاهيمية وتجريبية كبيرة، وفي مقدمتها مشكلة فقدان الترابط وإثبات الصلة الوظيفية المباشرة. هذه الصياغة لا تنتقص من جرأة السؤال، لكنها تحافظ على الحدود التي تفرضها المنهجية العلمية. 

ولو أردنا تلخيص الموقف المعرفي الراهن بدقة، فيمكن القول إن هذا المجال يقف اليوم على ثلاث عتبات:
الأولى، عتبة الفيزياء المثبتة، وفيها التشابك الكمومي حقيقة راسخة.
الثانية، عتبة البيولوجيا الكمومية الجزئية، وفيها توجد مؤشرات ونماذج معتبرة في بعض الظواهر الحيوية.
الثالثة، عتبة الدماغ والوعي، وفيها ما يزال الانتقال من الإمكان النظري إلى البرهان التجريبي الكامل انتقالًا لم يتحقق بعد. 

ومن ثم، فإن أي خطاب علمي ناضج حول التشابك الكمومي في الخلايا أو المخ يجب أن يجمع بين أمرين متلازمين: الانفتاح على السؤال، والانضباط أمام الدليل. فلا يليق بالعلم أن يغلق الأبواب قبل أوانها، كما لا يليق به أن يحول الفرضيات الجميلة إلى حقائق مكتملة قبل أن تنضج أدوات البرهنة عليها. وفي هذا التوازن تحديدًا تكمن قيمة هذا الموضوع: ليس فقط فيما قد يكشفه عن الدماغ، بل فيما يعلّمنا إياه عن حدود المعرفة نفسها، حين تقف الفيزياء على عتبة الحياة، وتحاول أن تفهم كيف تنبثق من المادة خبرة ومعنى وإدراك. 
Friday, 13 March 2026

الصيام وأمراض الدم الوراثية: متى يكون آمنًا ومتى يصبح مدعاة للحذر؟


يشكّل الصيام قيمة إيمانية عظيمة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على الممارسة الطبية مسؤولية واضحة في توجيه المرضى، خصوصًا المصابين بأمراض الدم الوراثية، إلى القرار الصحيح الذي يجمع بين الوعي الشرعي والانضباط الصحي. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الصيام في مرضى الدم الوراثيين لا ينبغي أن يُبنى على الانطباعات العامة أو النصائح الموحّدة، بل على التقييم الطبي الفردي الدقيق لكل حالة.

وتبرز في هذا السياق حالتان رئيسيتان هما فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، وهما من أكثر أمراض الدم الوراثية شيوعًا وتأثيرًا على حياة المرضى. ففي مرض فقر الدم المنجلي تتعرض كريات الدم الحمراء إلى تغيرات في الشكل والمرونة تجعلها أكثر قابلية للانسداد داخل الأوعية الدموية، بينما تتفاوت الثلاسيميا في شدتها من صور بسيطة إلى حالات أكثر تعقيدًا قد تتطلب نقل دم منتظمًا ومتابعة مستمرة ومراقبة لمضاعفات زيادة الحديد.

تكمن أهمية الحذر في أن الصيام قد يصاحبه نقص في السوائل، واضطراب في مواعيد النوم، وتغير في نمط التغذية، وأحيانًا عدم انتظام تناول الأدوية، وهي عوامل قد تكون ذات أثر مباشر في بعض المرضى. وفي فقر الدم المنجلي على وجه الخصوص، يظل الجفاف من أهم العوامل التي تستدعي الانتباه، لما قد يرتبط به من زيادة احتمالية الأزمات الوعائية المؤلمة أو تفاقم بعض المضاعفات عند المرضى غير المستقرين سريريًا.

ومع ذلك، فليس من الدقة العلمية القول إن كل مريض مصاب بمرض دم وراثي يجب أن يُمنع من الصيام. فالأدبيات الطبية الحالية تشير إلى أن بعض المرضى، وخصوصًا من كانت حالاتهم مستقرة وتحت إشراف طبي منتظم، قد يتمكنون من الصيام دون تدهور واضح، لكن هذا لا يصل إلى درجة التعميم أو إصدار توصية موحّدة. فلا تزال البيانات محدودة، كما لا توجد إرشادات قاطعة تصلح لجميع المرضى دون استثناء.

وفي مرضى الثلاسيميا، لا بد من التفريق بين الحالات البسيطة والحالات المعتمدة على نقل الدم أو المصحوبة بمضاعفات قلبية أو كبدية أو هرمونية أو بزيادة حمل الحديد. فالمريض الذي يحتاج إلى نقل دم منتظم أو إلى خطة علاجية دقيقة لا يمكن تقييم صيامه بمعزل عن حالته السريرية الكاملة، لأن الثلاسيميا ليست كيانًا واحدًا من حيث الشدة أو التأثير.

ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل الصيام مسموح أو ممنوع لمرضى الدم الوراثيين؟ وإنما: أي مريض يمكنه الصيام بأمان، وتحت أي شروط، ومتى يجب منعه أو تأجيله؟

المنهج الطبي الرشيد يقتضي أن يُنصح بعدم الصيام أو بمراجعته فورًا في حالات مثل: عدم استقرار الحالة، أو تكرار نوبات الألم، أو وجود فقر دم شديد، أو الجفاف المتكرر، أو الالتهابات الحادة، أو وجود مضاعفات كلوية أو قلبية أو رئوية، أو صعوبة تنظيم العلاج خلال فترة الصيام. فهذه الحالات لا تحتمل التوصيات العامة، بل تحتاج إلى قرار علاجي واضح ومسبق.

أما المرضى الذين يسمح لهم بالصيام بعد التقييم، فإن نجاح الصيام لديهم لا يعتمد على الرغبة وحدها، بل على خطة صحية واضحة، تبدأ بالحرص على الترطيب الجيد بين الإفطار والسحور، وتجنب فقدان السوائل، وعدم التعرض للإجهاد البدني الشديد أو الحرارة العالية، والالتزام بوجبة سحور متوازنة، وإعادة تنظيم العلاج وفق تعليمات الطبيب المعالج، مع الانتباه المبكر لأي علامات إنذار مثل الألم غير المعتاد، أو الدوخة، أو قلة التبول، أو ضيق النفس، أو الإجهاد الشديد.

ومن المفاهيم المهمة التي يجب تأكيدها أن الرخصة في الإفطار للمريض ليست انتقاصًا من العبادة، بل هي من صميم مقاصد الشريعة في حفظ النفس ودفع الضرر. والطبيب هنا لا يصادر رغبة المريض في الصيام، بل يساعده على اتخاذ القرار الآمن المبني على حالته الفعلية، لا على المقارنة بغيره من المرضى أو على التجارب الشخصية المتفرقة.

وبصورة أوسع، يمكن الإشارة باختصار إلى أن بعض اضطرابات الدم الوراثية الأخرى، مثل نقص إنزيم G6PD، تختلف في طبيعتها عن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا؛ إذ إن الخطر فيها يرتبط أساسًا بالتعرض للمحفزات المؤكسدة مثل بعض الأدوية أو الالتهابات أو الفول، أكثر من ارتباطه المباشر بالصيام نفسه. ولذلك فإن إدراجها في هذا السياق يفيد من باب الشمول، لكن دون أن تُعطى المساحة نفسها المخصصة للأمراض الأكثر ارتباطًا بمسألة الجفاف ومضاعفات الصيام.

وفي الختام، تبقى الرسالة الأهم أن الصيام في أمراض الدم الوراثية ليس قرارًا جماعيًا، بل قرارًا فرديًا بامتياز. فهناك من يستطيع الصيام مع الضوابط والاحتياطات، وهناك من يكون الإفطار في حقه هو الخيار الأسلم والأصح. وما بين الحالتين، يبقى الفيصل الحقيقي هو التقييم الطبي المسبق، والمتابعة الواعية، وتقديم سلامة المريض على كل اعتبار.
Sunday, 1 December 2024

هل لإضافة الفلوريد إلى الماء أضرار صحية؟ وهل لتلك الإضافات علاقة بالأورام السرطانية؟


‎إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب تُعد من التدابير الصحية العامة الشائعة التي تهدف إلى تقليل تسوس الأسنان. والنقاط المدرجة أدناه تختصر اجابة السؤال عنوان هذا المقال:
  • فوائد الفلورايد في الماء:
  1. الفلورايد يساعد في تقوية مينا الأسنان، مما يقلل من خطر تسوس الأسنان.
  2. يُعتبر إجراءً فعالاً من حيث التكلفة لتحسين صحة الأسنان على نطاق واسع، خاصة في المجتمعات التي تفتقر إلى الخدمات الصحية.
  • هل الفلورايد مضر بالصحة؟
  1. الجرعات الموصى بها آمنة: عند إضافته بالمستويات الموصى بها (0.7 إلى 1.2 جزء في المليون)، أظهرت الدراسات أنه آمن وفعال.
  2. الجرعات العالية قد تسبب أضرارًا من أهمها: تسمم الفلورايد المزمن الذي يمكن أن يسبب ما يعرف بـ "التفلور السني" (Dental Fluorosis)، وهو ظهور بقع بيضاء على الأسنان، خاصة عند الأطفال؛ وكذلك، في حالات نادرة وبجرعات عالية جدًا على مدى طويل، أنه قد يسبب مشاكل في العظام.
  • هل الفلورايد يسبب السرطان؟
  1. لا توجد أدلة علمية قوية تدعم العلاقة المباشرة بين مستويات الفلورايد المضافة إلى المياه ومخاطر الإصابة بالسرطان.
  2. بعض الدراسات القديمة أثارت شكوكًا حول ذلك، لكنها لم تؤكد وجود علاقة واضحة.
  3. منظمات صحية كبرى مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) وجمعية طب الأسنان الأمريكية (ADA) تدعم استخدام الفلورايد في المياه ضمن المستويات الموصى بها.
  • التوصية:
  1. إضافة الفلورايد للمياه عند الجرعات الموصى بها تعتبر إجراءً آمنًا وفعالًا لتحسين صحة الأسنان.
  2. لتجنب أي مخاطر، يُنصح بالالتزام بالمستويات المحددة من قبل الجهات الصحية.
Wednesday, 13 November 2024

هل تسبب الشوكولاته الداكنة السرطان؟


قرأت مقالة قبل أيام تتحدث عن احتواء الشوكلاته الداكنة على مستويات عالية من المعادن الثقيلة والتي تشكل خطر على صحة الإنسان ووضعها كأحد مسسببات مرض السرطان. وعند التمعن وجدت بأن المقالة تحتوي على بعض المعلومات التي تم تداولها بالفعل في الآونة الأخيرة حول مستويات المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم في بعض منتجات الشوكولاتة الداكنة. ومع العلم من أن هناك بعض الحقائق المتعلقة بالمعادن الثقيلة في الكاكاو وكيفية انتقالها إلى الشوكولاتة، لكن من المهم مراعاة عدة نقاط للتأكد من مدى دقة وصحة هذه المعلومات.

النقاط التي يمكن اعتبارها صحيحة بناءً على الدراسات العلمية:

وجود الرصاص والكادميوم: بالفعل، أظهرت دراسات متعددة أن بعض منتجات الكاكاو والشوكولاتة الداكنة تحتوي على كميات من الكادميوم والرصاص، حيث يمكن للكادميوم أن يتواجد في التربة، ويقوم نبات الكاكاو بامتصاصه، بينما قد ينتقل الرصاص للكاكاو أثناء عمليات التجفيف أو النقل. وهذا الأمر لا يتوقف فقط الكاكاو ولكنه قد يطال مجموعات أخرى من النباتات وسبق وأن أشرنا لبعضها. وهو موضوع قديم جديد في طرحه ولكنه يشير لطبيعة المشكلة المتعلقة بعنوان المعادن وكيفية وصولها لبعض النباتات وليس في أصل النبات وحصره بالإسم.

الأضرار الصحية للمعادن الثقيلة: الكادميوم والرصاص من المعادن السامة، وقد يؤدي التعرض المزمن لهما إلى مشاكل صحية تشمل تلف الكلى، وأمراض العظام، واضطرابات عصبية، وقد يزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان، خاصة عند التعرض لهما بكميات مرتفعة.

توصيات مستويات المعادن: إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) وكذلك بعض الولايات الأمريكية مثل كاليفورنيا وضعت توصيات أكثر صرامة بشأن المستويات المسموح بها من المعادن الثقيلة، خاصة للأطفال والبالغين.

النقاط التي تحتاج إلى توضيح وتقييم:

نقص البيانات التفصيلية: المقالة تشير إلى أن خبيرًا قام بتحليل بعض ألواح الشوكولاتة، لكنه لم يذكر نوع المعادن التي تم قياسها في البداية، ثم ذكرت المقالة فيما بعد أن الكادميوم والرصاص قد تكون موجودة في الشوكولاتة. عادةً، يتطلب نشر هذه المعلومات توفر بيانات دقيقة حول جميع الاختبارات التي أجريت وتفاصيل دقيقة عن مستويات المعادن.

مصدر المعادن: بالرغم من أن المقالة تذكر احتمال انتقال الرصاص من الطرق أثناء تجفيف حبوب الكاكاو، إلا أن هذه المعلومة قد تكون مبالغًا فيها. حيث إن معظم الشركات المنتجة للشوكولاتة تتبع معايير صارمة في إنتاج الكاكاو وتجفيفه، وقد لا تعتمد على الطرقات لتجفيف الحبوب كما كان يحدث في السابق. إلا أنه يبقى في نطاق الإستطراد في ذكر طبيعة الاحتمالات الممكنة الحدوث.

مدى الأمان والاستعمال اليومي: بالرغم من وجود كميات ضئيلة من المعادن الثقيلة في الشوكولاتة، إلا أن تأثيرها يعتمد على كمية الاستهلاك المنتظم، وليس على استهلاك الشوكولاتة الداكنة بشكل عرضي أو معتدل. فمعظم المنظمات الصحية تعتبر أن استهلاك الشوكولاتة الداكنة بكميات معتدلة لا يشكل خطرًا كبيرًا.

عدم تعميم النتيجة: المقالة قد توحي بأن جميع أنواع الشوكولاتة الداكنة تحتوي على معادن ثقيلة بمستويات ضارة، لكن الدراسات تظهر أن بعض العلامات التجارية قد تكون أفضل من غيرها من حيث محتوى المعادن. لذلك، من الأفضل للمستهلكين الاطلاع على الدراسات التي تشمل علامات تجارية معينة واتباع توصيات المنظمات الصحية.

الخلاصة:

بشكل عام، تحتوي المقالة على بعض الحقائق الصحيحة عن وجود المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم في بعض أنواع الشوكولاتة الداكنة. لكن من المهم عدم التعميم أو القلق الزائد؛ إذ أن استهلاك الشوكولاتة الداكنة باعتدال لا يُعتبر ضارًا في العادة لمعظم الناس. وقد يكون من المفيد للمستهلكين اختيار العلامات التجارية ذات المصداقية والبحث عن الشوكولاتة التي تأتي من مصادر تلتزم بمعايير الصحة والجودة العالية.
Thursday, 11 July 2024

هل يسبب الهواء البارد مشاكل صحية للجهاز التنفسي؟


عند التنفس، يقوم الأنف بضبط درجة حرارة الهواء وترطِّيبه أثناء انتقاله إلى الرئتين. وهي عملية جوهرية ووظيفة رئيسة من وظائف مداخل الجهاز التنفسي. وهذا الأمر يزداد طرديًا مع ازدياد نسبة جفاف الهواء ومع تأرجُّح درجة حرارته. ومن هنا فإنَّ الهواء البارد والجاف يُهيِّج بطانة الأنف وذلك لحاجته للتدفئة والترطِّيب بصورة أكبر من المُعتاد. ونتيجة لذلك، تفرز الغدد الأنفية في هذه الحالة مخاطًا زائدًا للحفاظ على رطوبة البطانة وكي تُبقيه دافئًا ورطبًا.

ولهذا، فقد يسبب التعرُّض للهواء البارد والجاف سيلان الأنف الذي يصل في بعض الأحيان لسقوط قطرات مائية كبيرة وثقيلة من الأنف. وعلى قاعدة هذا الفهم، فإنَّ ارتداء وشاح يُغطي الأنف خلال الطقس البارد يُساعِد على حماية بطانة الأنف من التهيُّج، ومنها مساعدتها على عدم الدخول في مرحلة السيلان، وذلك لأنَّ الهواء يسخن خلال مروره بالوشاح وقبل أنْ يلامس أنسجة الأنف.

ويجب أنْ نلتفت عمومًا أيضًا إلى أنَّ التعرُّض للهواء البارد والجاف يُرهِق أنسجة الجهاز التنفسي العلوي ويجعلها عُرضة للالتهابات الميكروبية سيما لو كانت مُحملة بالأتربة والقطرات الطائرة التي تحمل في جوفها ميكروبات.

وعليه، فإنَّ بعض ما يتم تقدِّيمه من قبل البعض والذي يسعى لتشتيت فهم الناس بشأن التعرض للهواء البارد والقول بأنَّه لا يُسبِّب مشاكل للجهاز التنفسي لا يتوافق والمنطق المبني على هذا الفهم.
Tuesday, 23 January 2024

المواد الحافظة التي تُضاف للأغذية التجارية


يمكن إدراج المواد الحافظة التي تُضاف للأغذية التجارية بحسب وظائفها في ثلاثة عناوين رئيسة، وهي: المضادة للميكروبات التي تمنع نمو البكتيريا والخمائر والفطريات، والمانعة للأكسدة التي تؤخِّر عملية أكسدة الدهون (المؤدِّية بدورها إلى فساد الطعام)، والمثبِّطة للأنزيمات التي عادة ما تُضاف للفواكه والخضروات بعد قطافها. وبعيدًا عن الاستفاضة في الشرح وضرب الأمثلة المُتعدِّد لكل نوع من أنواع المواد الحافظة الثلاث، سأركز الحديث في إحدى المواد الحافظة التي تقوم بالوظائف الثلاث المذكورة والتي يكثُر استخدامها من قبل مصانع الأغذية كمادة حافظة حيث يتم إضافتها لمجموعة يُعتَد بها من الأطعمة المُعلَبة والمُجَّففة وبعض ما يتم تقدِّيمها على أنها طازجة كبعض أنواع الخل وعصائر الفواكه والفواكه المجففة واللحوم وما شابه (خصوصًا وأن السؤال قد كثر عنها)، وهي مادة ثاني أكسيد الكبريت (So2) التي تنتمي لمجموعة أكبر تسمى السلفات، والتي يتم الإشارة لها عادةً في المحتوى الغذائي بالرمز(E220-E228). وعلى أساس قيام هذه المادة بالوظائف المُتعدِّدة المذكورة فإن المُحصِّلة الأخيرة هي منع تغير لون الأطعمة وعدم ظهورها بلون مسود أو تغير طعمها أو رائحتها أو جودتها.

الأهم في هذا الموضوع، هو الإجابة عن السؤال القائل: هل هي ضارة؟ أم لا؟

وهنا نقول بأن إضافة هذه المادة (كما هو الحال بالنسبة لسائر المواد الأخرى المُظافة صناعيًا) يُعدُ أمنًا لِـ من لا يُعاني من حساسية منها في حال تمت إضافتها ضمن نطاق ما هو منصوص عليه من قبل المؤسسات الرقابية (أو كما تؤكد عليه هيئة الغذاء الدواء وهيئة الأغذية والمشروبات الأمريكيتين وغيرها من هيئات محلية ودولية). وعبارة "لا يُعاني من حساسية منها في حال تمت إضافتها ضمن نطاق ما هو منصوص" هي بيت القصيد، وذلك لأن هناك نسبة ضئيلة يتحسسون من مركبات السلفات سواء عند الأكل أو الاستنشاق، مما قد يؤدي إلى ظهور أعراض مثل الصداع أو صعوبة التنفس أو مشاكل هضمية.

ولابد من لفت النظر إلى أن 90٪ من المصابين بالربو (كمثال توضيحي) تتشكل عندهم أعراض تنفسية (مع تفاوت نسبها) بسبب المشروبات الغازية التي تحتوي على ثاني أكسيد الكبريت. وعليه، من المهم أن يتحقق هؤلاء الذين يعانون من حساسيات معروفة تجاه هذا المركب من المواد المضافة للمواد الغذائية وتجنب المنتجات التي تحتويها.

وعلى كل حال، الأمر لا يقتصر على السلفات، فهناك غيرها من مواد نذكرها بعض منها بصورة موجزة، مثل: مادة البروبونات التي تُضاف في العادة للمخبوزات والموجودة بشكل طبيعي في التفاح والفراولة والحبوب والأجبان، وكذلك مادة البنزوات الموجودة بشكل طبيعي في التوت البري، وأيضًا مادة الأسكوربيك أسيد الذي يؤخِّر عند إضافته للتفاح و البطاطس تغير لونها بعد التقشير. وأضيف لهذا التعداد مادة النترات والنيترات التي تُضاف عادة للحوم من أجل أبقائها بعيدًا عن السواد إلا أن من مشاكلها أنها قد تتفاعل مع الأحماض الأمينية وتتشكل عندها مادة النيتروسامينات التي تُعد مادة مسرطنة، إلا أن النسب التي تُضاف منها على نحو أغلب للحوم قليلة ولا يُعتُد عادةً بها، وهناك غيرها من مواد أخرى لا يسع المجال لذكرها كلها.

وأخيرًا وليس مؤخَّرًا، لابد من التأكيد على أن المواد الحافظة فقط (وليس المُثبتة للقوام أو المُحسِّنة للطعم أو ذوات النكهات الصناعية أو أو الأصباغ أو المُثخِّنات أو غيرها من مواد) على اختلاف تسمياتها وميكانيكية عملها (التي لا يسع المجال للحديث عنها كلها) ليست مواد غذائية ولكنها تضاف عنوة من قبل المصانع بهدف إطالة صلاحية الأغذية المتوافق مع الغاية التجارية. ومن هنا، نستطيع القول، بأن الأمر لا يرتبط بكونها ضارة أو غير ضارة، بل بكونها لا ترقى لمستوى الأغذية الطازجة (وهي حقيقةً ليست طازجة ولا نستطيع تصنيفها على أنَّها طازجة) بكل ما تعنيه عبارة طازجة من معنى واقعي وليس تجاري.