Monday, 9 September 2019

دراسات وأخبار طبية زائفة.. عندما تتغلَّب الشعبوية على الدليل


في البداية وقبل الدخول في صلب الموضوع، دعني أبدأ معك ببعض الـ "مانشيتات" الصارخة التي تم ترويجها مؤخَّرًا على صفحات التواصل الاجتماعي، والتي كان من ضمنها: (1) أنَّ وضع شرائح البصل النية داخل الجوارب وتحت الرجلين أثناء النوم يعمل على إخراج السموم من الجسم! (2) أنَّ لقمتين من الكاجو تستطيع أنْ تخلصك من الكأبة بنفس المفعول الذي تقوم به جرعة الـ "بروزاك" (Prozac) المُخصص لهذا المرض! (3) لقد تم اكتشاف لقاح للسكر في المكسيك؟!

وعليه أقول: بأنَّك إذا كنت مِمَّن يصدق مثل هذه الجمل (وتصدق كل شيء تقرأه على الشبكة العنكبوتية بحجة أنَّ مُحرِّك البحث جوجل موسوعة علمية مُحكَمة)، فقد تكون أيضًا مِمَّن لن يذهب أبدًا للمشافي الصحية؛ أو في أضعف الإيمان ستكون - عند المرض - من مُرتادي البقالات ومحال الخضار كي تشتري بعض الحاجيات لأغراض علاجية، كشرائك مثلًا: البصل والكاجو، ومن بعدها حجز أقرب طائرة إلى "كابو سان لوكاس" في المكسيك!

واختصارًا لهذه المقدمة أقول: بأنَّ هذه الـ "مانشيتات" الشهيرة التي تحمل عناوين صحية رنََّانة (وغيرها من عناوين شبيهة) قد تم إثبات زيفها. بل وللتأكِّيد، فإنَّ ذكري لها لا يعني أهميتها، ولكنها جاءت على سبيل المثال وليس الحصر، وذلك لأنَّ صفحات التواصل الاجتماعي مازالت تعج بالكثير من التساؤلات التي تستهدف غيرها من الأخبار الصحية الشبيهة الأطُر والمضمون.

فالمعلومة المُزيَّفة ليست فقط جملة عابرة كتلك التي يرميها بعض السياسيين في يومنا هذا من أجل تضليل الرأي العام والحصول على بعض المكاسب الموجَّهة؛ بل لكونها قادرة أيضًا (سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة) على وضع مساحة وهمية تضليلية لقصص طبية تجعل من المرضى وأصحاب الحاجة مُتعلِّقين بالوهم أكثر من الحقيقة.

وفي المجمل ودون الاسترسال في الشرح، نستطيع القول بأنَّ المعلومات والأخبار الطبية الزائفة تجعل من المرضى يشعرون بخوف غير مُبرَّر، الأمر الذي ينتج عنه تأجيلهم لعلاجاتهم الواقعية ورعايتهم الصحية الضرورية. بل وتجعلهم أيضًا ينفقون أموالهم على أدوية غير دقيقة أو مُحكمة الدلائل الإكلينيكية.

والسؤال الواجب الإجابة عليه هنا: لماذا تنتشر الأخبار الطبية الزائفة مثل الفيروسات الوبائية؟

وفي بداية الإجابة لا بُدَّ من الإعتراف بأنَّ مجموعة يُعتَدُّ بها من الناس (منهم بعض المحسوبين على دائرة الثقافة أو حتى العقلانية) قاموا بشكل مباشر أو غير مباشر خلال بعض محطات حياتهم ببعض التطبيقات التي ارتكزت على معلومات طبية غير مُحكَمة الدلائل! وهذا الأمر قد وقع فيه حتى المُتخصصين في المجالات الصحية أيضًا.

وفي هذا المقام أشير (من باب الاستشهاد) إلى ما صرّح به المدير الطبي في مشفى سرطان المسالك البولية التخصصي الدكتور آدم رامين في لوس أنجلوس حينما قال:
"تُصاب بمرض... ولكن ماذا تفعل؟ تتصفح جوجل وتبحث عن علاج له. وبالاعتماد على الكلمات التي أدخلتها والمعلومات الموجودة مُسبقًا في بيانات جوجل (التي قد تكون تعرفها أو قد لا تكون)، يجعلك هذا النوع من البحث تدخل في دهاليز عميقة (كتلك التي تصنعها الأرانب) مليئة بالقلق والإحباط".
وأضيف على كلام الدكتور آدم رامين: بأنَّ ذلك - بشكل مُعاكِس – قد يجعلك كذلك تشعر بأنَّك وجدت الدراسة البحثية العلاجية الجديدة لحالتك الصحية التي لم يكن طبيبك يعلم بها مُسبقًا.

ومن الأمثلة في هذا الشأن، أذكر أنَّه في عام 2016م تم ارسال "مانشيت" لمقالة جذابة عنوانها: "طحالب الداندليون تستطيع أنْ ترفع من عمل جهازك المناعي وتُعالِج السرطان" (Dandelion weed can boost your immune system and cure cancer)، وتم مُشاركتها 1.4 مليون مرة على صفحات الفيسبوك لوحده (ويا له من عدد كبير للغاية!). يُضاف إلى هذا، أنَّ هذه المقالة أيضًا كانت من أكثر مقالات مرض السرطان مُشاركةً على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي مُجتمعةً في تلك السنة. ومع العلم من كل هذا الزخم الاعلامي الذي حصلت عليه رواية هذه المقالة، إلَّا أنَّها في نهاية المطاف لم تكن صائبة.

ففي الوقت الذي قد تكون فيه طحالب الداندليون في وقت النشر تمتلك فوائد مُحدَّدة لمرضى السرطان، إلَّا أنَّ الدراسة كانت حينها للتو منشورة ولم تكن تملك نتائج مؤكَّدة. ولعل السبب وراء مثل هذا التقديم غير المنهجي والبعيد عن الواقع في المحتوى القصصي لهذه الدراسة هو تدخُّل بعض المُتطفِّلين (من عشّاق الظهور على وسائل التواصل الإجتماعي المحسوب بعضهم على الدائرة الطبية) الذين ينشرون دراسات لا يعلمون شيء عن زواياها البحثية وقواعدها التحليلية.

وفي هذا الشأن أُعزِّز هذا الطرح بما قاله رئيس لجنة الأطباء في رابطة صحفي العناية الصحية الدكتور إفان أورانسكي:
"هناك الكثير من المعلومات الزائفة على صفحات الإنترنت، لأنَّ هناك مجموعة من الناس تريد أنْ تُصدِّق بأنَّ هذه المعلومات حقيقة، بل وعندها الحافز للتصديق بأنَّها حقيقة، أو تسعى لبيعك أشياء، أو اقناعك بأنْ لا تشتري أشياء أُخرى. فلا بُدَّ من أنْ تنخل كل هذه المعلومات (من أجل معرفة الحقيقة!)".
وهنا أُشبِّه واقع الشبكة العنكبوتية بالوحش الجائع الذي لا يشبع من المعلومات (دون التدقيق في زيفها) ويحتاج لمحتوى كتابي بشكل مستمر. كما نفعل نحن القراء عند البحث عن معلومات مُتجدِّدة كل يوم. يُضاف على ذلك، أنَّ أكثر الكتابات التي يسعى لاستقطابها هي تلك التي تُلفِت "مانشيتاتها" الانتباه وتكون سهلة المنال.

والدراسات الطبية ليست بالضرورة تُناسِب هذا النوع من الاحتياج الجشع الذي يطلبه وحش الشبكة العنكبوتية. فهي مليئة بالكثير من المصطلحات العلمية والصور والجداول التي تحتاج لاستنباط وطرق تحليل من أجل الوقوف على مُخرجاتها النهائية. بل وأنَّ الكثير من الناس قد يضيع عند ترجمته لمثل هذه المُصطلحات إمَّا عن طريق الخطأ أو عن طريق الموائمة مع مصطلحات شبيهة قادمة من دوائر علمية أُخرى قريبة من أهتماماتهم الشخصية.

وفي العموم، فإنَّ كل هذه الدراسات الطبية (بل وحتى غير الطبية أيضًا) ينتهي بها المطاف لتكون على قائمة الأخبار المحوَّرة عبارتيًا والمُستقطبة لزوار الشبكة العنكبوتية عبر "مانشيتاتها" الرنَّانة. وهو الأمر الذي بدأنا نُلاحظه أيضًا بشكل شبه يومي في إعلامنا البائس الذي لا حول له ولا قوة والذي جُل ما يبحث عنه - بعد أنْ غابت المهنية - هو: عدد القراء (لا أكثر ولا أقل).

وفي هذا الشأن أقدِّم مثالًا لدراسة تم نشرها في مجلة "جاما لطب الباطنة" (JAMA Internal Medicine) في عام 2017م، وهي المجلة المعدودة مُحكَمة طبيًا والموثوقة في الأوساط العلمية. فعنوانها الذي كان ينص حرفيًا على التالي: "مُقارنة بين معدلات الوفيات واعادة التنويم في المستشفيات بالنسبة لمرضى الرعاية الطبية الذين تم علاجهم بواسطة أطباء رجال في قبال أطباء نساء" (Comparison of hospital mortality and readmission rates for Medicare patients treated by male vs. female physicians) قطعًا لم يسعى للتركيز على جنس الطبيب؟. إلَّا أنَّ العنوان الذي استخلصه البعض والذي ظهر أكثر جاذبية على صفحات الشبكة العنكبوتية تمت صياغته في الجملة الخبرية التي كانت تنص على: "إنَّ الطبيبات النساء يتفوّقنَّ على الأطباء الرجال". ولاحظ بأنَّ التركيز في العنوان كان منصبًا على حقيقة أنَّ هذه الدراسة ملاحظاتية ومبنية على قاعدة مرتبطة بمعدلات الموتي واعادة التنويم، بمعنى أنَّ صياغتها تمت من أجل تقديم بيانات فقط، وليس من أجل نقاش سبب مُحدَّد مُتعلِّق بتلك البيانات. وهذا الأمر يفهمه الباحثون والمتخصصون في مجال الدراسات الإلكينيكية.

وفي هذا الشأن كتب المُحرِّر العلمي المُشارِك لأطباء العائلة الكنديين الدكتور روجر لادوسير قائلًا:
"حينما تأتي مرحلة وضع العناوين الطبية، تُصبِح المهمة صعبة، وعندها تتغلَّب الشعبوية على الدليل".
وفي وقت نشر هذه الدراسة، تم مُشاهدتها على صفحات مجلة "جاما لطب الباطنة" 230 ألف مرة، وكان من ضمن هذه المُشاهدات 4000 مُشاهدة من خارج الوسط الأكاديمي. والنسبة الأخيرة كانت كافية لتقديمها على هذا النحو المبتور.

ومن هنا، لا بُدَّ من بيان أنَّ الموضوع ذو شجون ومحاوره عديدة وفروعها مُتشعِّبة، إلَّا أنَّ  هيكليته المبنية على الاختصار والهادفة لتقديم الإشارة الهادفة للفت انتباه عموم القراء فقط (على اختلاف مشاربهم) بدلًا من إثقال كاهلهم بطول المقال تدفعني لإنهائه بهذه الأمثلة والإضاءات المحورية.

وفي الختام، أؤكِّد على أنَّ المعلومات والأخبار الطبية الزائفة تستطيع أنْ تجعل المرضى تُشكِّك في النصائح القادمة لهم من المصادر المُحكَمة، وتجعلهم يتخذون قرارات علاجية خطيرة. والسبب وراء كل هذا هو تعلُّقهم بمصادرهم الإنترنتية التي تظهر بلباس المُنقذ (والتي قد يسوِّقها أيضًا بعض من يلبس المريلة البيضاء على وسائل التواصل الشخصية والقنوات الرسمية لأسباب مُتعدِّدة على حساب العلاجات الواقعية). بل وأنَّ مثل هذه المعلومات الزائفة تجعل من وظيفة من يسعى حقيقةً لإنقاذ المريض صعبة. وهو الأمر الذي أكَّدت عليه أيضًا من واشطن د. س. الدكتورة شيلبي أجارول التي تتعامل بشكل مستمر مع علاج الأفراد والعائلات.

وعليه، فإنَّه ليس بالمُستغرَب أنْ نجد مرضى تشتري عقاقير من كل حدب وصوب من أجل علاج مشاكلهم الصحية الشاملة (مثلًا لا حصرًا) لـ: عقاقير تخفيف الوزن، والكأبة، والسكر، وغيرها من عناوين صحية عويصة. بل ويكونون حينها جاهزين أيضًا لدفع المبالغ الطائلة في كل هذا الذي آمنوا بأنَّه سيُخلّصهم مِمَّا هم فيه (على حساب ما هو قادم لهم من الجهات القائم نهجها على الدليل المُحكَم).