الدكتور / محمد آل محروس
الجمعة، 7 أغسطس 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

الحِجامة والتبرع بالدم: بين الممارسة التقليدية والمنظومة الطبية الحديثة


ليست كل الممارسات التي تتشابه في الشكل تتساوى في الحقيقة.
فالدم، رغم وحدته البيولوجية، يخضع لتفسيرات متباينة:
بين من يراه شيئًا يحتاج إلى “تنقية”،
ومن يفهمه كنظامٍ متجدد تحكمه قوانين دقيقة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نقيس الممارسة بأثرها… أم بالتصور الذي بُنيت عليه؟

في ظاهر الأمر، قد تبدو الحِجامة والتبرع بالدم ممارستين مختلفتين، لكن هذا الاختلاف الظاهري يخفي تقاطعًا عميقًا عند نقطة واحدة: التعامل مع الدم بوصفه عنصرًا حيويًا في توازن الجسم. ومن هنا، فإن المقارنة بينهما لا ينبغي أن تُبنى على الانطباع أو الانتماء الثقافي، بل على تحليل أعمق يستند إلى الفهم الفسيولوجي، والإطار التنظيمي، والنتائج الصحية المتوقعة.

الحِجامة، في أصلها، ممارسة تقليدية ذات حضور في التراث الطبي القديم، وتندرج ضمن ما يُعرف بالطب التكميلي أو البديل. أما التبرع بالدم، فهو إجراء طبي حديث، مُقنَّن، ومُدار ضمن منظومة صحية دقيقة تهدف إلى خدمة المريض أولًا، مع تحقيق بعض الفوائد للمتبرع. وبين هذين الإطارين، تتشكل مساحة المقارنة التي تكشف عن فروق جوهرية تتجاوز الشكل إلى المضمون.

من الناحية الفسيولوجية، يعتمد التبرع بالدم على مبدأ واضح: سحب كمية محددة ومدروسة من الدم، ضمن حدود آمنة، مما يحفّز نخاع العظم على إنتاج خلايا دم جديدة. هذه العملية تخضع لرقابة دقيقة، وتستند إلى فهم راسخ لديناميكية الدم وتجدده. في المقابل، تُقدَّم الحِجامة في كثير من الأحيان على أنها وسيلة “لتنقية الدم” أو “إخراج الدم الفاسد”، وهي مفاهيم لا تجد لها سندًا في الفسيولوجيا الحديثة، حيث إن الدم في الجسم لا “يركد” ليَفسد، بل هو في حركة دائمة ضمن جهاز دوري مغلق ومنظم.

ومن زاوية السلامة الطبية، يظهر الفرق أكثر وضوحًا. فالتبرع بالدم يتم ضمن بيئة معقمة، وبأدوات أحادية الاستخدام، وتحت إشراف كوادر صحية مؤهلة، مع إجراء فحوصات مسبقة للتأكد من أهلية المتبرع، وخلوه من الأمراض المعدية. كما يتم التخلص من النفايات الطبية وفق بروتوكولات صارمة. في المقابل، فإن ممارسات الحِجامة—في كثير من السياقات—تفتقر إلى هذا المستوى من الضبط، سواء من حيث التعقيم، أو تقييم الحالة الصحية، أو إدارة المخلفات، مما يرفع احتمالية التعرض لمخاطر العدوى أو المضاعفات.

أما من حيث الغاية، فالتبرع بالدم يحمل بُعدًا إنسانيًا مباشرًا؛ إذ يُستخدم الدم المسحوب لإنقاذ حياة مرضى يحتاجون إليه بشكل عاجل، كمرضى العمليات الجراحية أو النزيف الحاد أو أمراض الدم. وبالتالي، فإن الفائدة هنا مزدوجة: فائدة فسيولوجية محتملة للمتبرع، وفائدة حيوية مؤكدة للمستفيد. في المقابل، تُمارَس الحِجامة غالبًا بهدف تحسين الصحة العامة أو علاج أعراض معينة، دون وجود دليل إكلينيكي قوي يدعم فعاليتها كخيار علاجي شامل.

كما أن من المهم الإشارة إلى ما يُعرف في الأدبيات الطبية بتأثير التوقعات أو الاستجابة النفسية (Placebo Effect)، وهو عامل حقيقي قد يفسر جزءًا من التحسن الذي يُبلغ عنه بعض الأفراد بعد الحِجامة. فالإجراءات التي تحمل طابعًا طقوسيًا أو تقليديًا، وتُمارس في سياق ثقافي مؤثر، قد تعزز الإحساس بالتحسن حتى في غياب تأثير فسيولوجي مباشر. وهذا لا يُبطل التجربة الشخصية، لكنه يستدعي الحذر في تفسيرها، ويدعو إلى التمييز بين الشعور بالتحسن، والتحسن القابل للقياس موضوعيًا.

ومن الناحية العلمية، فإن الأدبيات المتعلقة بالتبرع بالدم أكثر رسوخًا، وتستند إلى عقود من البحث والتطبيق، مع وجود معايير عالمية تنظم العملية. أما الحِجامة، فرغم وجود بعض الدراسات التي تشير إلى فوائد محدودة في حالات معينة، إلا أن هذه الدراسات غالبًا ما تعاني من ضعف في التصميم المنهجي، أو صغر حجم العينات، أو غياب التوحيد في طرق التطبيق، مما يجعل تعميم نتائجها أمرًا إشكاليًا.

ومن أبرز التحديات التي تُضعف قوة الأدلة المتعلقة بالحِجامة، غياب التوحيد القياسي في طرق تطبيقها. فالدراسات تختلف في مواقع التطبيق، وعدد الجلسات، ومدة الشفط، وآلية إحداث الجروح، وهو ما يجعل من الصعب مقارنة النتائج أو تعميمها. وفي العلوم الطبية، يُعد التوحيد في البروتوكولات شرطًا أساسيًا لبناء معرفة تراكمية يمكن الاعتماد عليها، وهو ما لا يزال غير متحقق بشكل كافٍ في هذا المجال.

ومن الزوايا التي تُطرح في الأدبيات البحثية عند تقييم الحِجامة، التمييز بين التأثيرات الموضعية والتأثيرات الجهازية. فبعض الدراسات تشير إلى أن التأثيرات المحتملة للحِجامة—إن وُجدت—تكون في الغالب محصورة في النسيج الذي تُطبَّق عليه، من حيث تحفيز تدفق الدم الموضعي أو إحداث استجابة التهابية محدودة. غير أن تعميم هذه التأثيرات على مستوى الجسم ككل، أو ربطها بتحسينات جهازية واسعة، لا يجد دعمًا كافيًا في الدراسات المحكمة، وهو ما يستدعي الحذر عند تفسير نطاق تأثيرها.

غير أن المقارنة هنا لا تهدف إلى إلغاء أحد الطرفين بقدر ما تسعى إلى إعادة وضع كل منهما في سياقه الصحيح. فالحِجامة، في حال ممارستها ضمن إطار علمي منضبط، وتحت إشراف مؤهل، قد يكون لها دور محدود في بعض الحالات. لكن تحويلها إلى ممارسة مفتوحة بلا ضوابط، أو تقديمها كبديل شامل للعلاج، يخرجها من دائرة الفائدة إلى دائرة المخاطرة.

وفي المقابل، يقدّم التبرع بالدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الممارسة الصحية حين تُدار بالعلم، وتُحاط بالأنظمة، وتُوجَّه نحو خدمة الإنسان. فهو ليس مجرد إجراء، بل منظومة متكاملة تجمع بين المعرفة الطبية، والمسؤولية الأخلاقية، والتنظيم المؤسسي.

وفي الإطار الطبي الحديث، يُقدَّم مبدأ “السلامة أولًا” (Safety First) كقاعدة لا تقبل التنازل، خصوصًا في الإجراءات التي تتضمن اختراق الجلد أو التعامل مع الدم. وهذا المبدأ لا يقتصر على تقليل المخاطر، بل يشمل أيضًا وجود نظام واضح للتعامل مع المضاعفات في حال حدوثها. ومن هذا المنظور، لا تُقاس قيمة أي ممارسة فقط بفعاليتها المحتملة، بل بمدى قدرتها على تحقيق تلك الفعالية ضمن هامش أمان محسوب ومُدار.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح، فإن المقارنة هنا لا تستهدف نفي ما ورد في التراث الإسلامي حول الحِجامة، ولا التقليل من مكانتها في سياقها النصي، وإنما تُعنى بقراءة واقع ممارستها المعاصرة في ضوء المعايير الطبية الحديثة. فالتمييز بين “النص” و”التطبيق” هو جوهر هذا النقاش؛ إذ إن الإشكال لا يكمن في الأصل، بقدر ما يكمن في كيفية ممارسته، ومدى توافقه مع ما استقر عليه العلم من ضوابط تضمن سلامة الإنسان.

وفي النهاية، فإن المفاضلة بين الحِجامة والتبرع بالدم لا ينبغي أن تُبنى على العاطفة أو الانتماء، بل على سؤال أكثر عمقًا: أيّ الممارسات تُدار بعلم، وتُحاط بمعايير، وتُمارَس بأمان؟

فليس كل ما يُمارَس يُفهم، وليس كل ما يُفهم يُطبَّق كما ينبغي.
وبين الفكرة والتطبيق، تتحدد سلامة الإنسان… أو تُهدَّد.
أغسطس 07, 2026
قراءة المزيد
الأحد، 19 يوليو 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل العبوات البلاستيكية السوداء المستخدمة في الوجبات السريعة آمنة؟ قراءة في ضوء الطب المبني على الدليل

انتشرت في الآونة الأخيرة ادعاءات تفيد بأن العبوات البلاستيكية السوداء المستخدمة في الوجبات السريعة وتوصيل الطعام قد تكون مصنوعة من بقايا النفايات الإلكترونية، وأنها تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية مثبطة للاحتراق، وأن هذه المواد قد تنتقل إلى الطعام، خاصةً عند ملامسته وهو ساخن، مما قد يزيد من خطر الإصابة بالسرطان أو يؤثر في المناعة والهرمونات. وقد أثارت هذه الادعاءات اهتمام الباحثين منذ أكثر من عقد، إذ بدأت بعض الدراسات العلمية تطرح احتمال انتقال ملوثات من النفايات الإلكترونية إلى بعض المنتجات البلاستيكية نتيجة عمليات إعادة تدوير غير منضبطة. وكانت دراسة نُشرت عام 2015 من أوائل الدراسات التي كشفت عن وجود بعض المواد المرتبطة بالنفايات الإلكترونية، بما في ذلك مثبطات اللهب البرومية، في عدد من المواد البلاستيكية الملامسة للأغذية في الأسواق الأوروبية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول إمكانية دخول مواد معاد تدويرها من الأجهزة الإلكترونية في تصنيع بعض المنتجات البلاستيكية. وفي عام 2017، نشرت مراجعة علمية جمعت الأدلة المتوفرة آنذاك، وأكدت أن هذه الفرضية تستحق المزيد من الدراسة والرقابة، كما أوصت بتحسين تقنيات فرز البلاستيك لمنع انتقال المواد غير المناسبة إلى المنتجات المخصصة لملامسة الأغذية. ثم جاءت دراسة عام 2018 لتفحص عددًا من أدوات المطبخ البلاستيكية السوداء، حيث وجدت أن بعض العينات احتوت على مثبطات لهب برومية كانت تُستخدم في الصناعات الإلكترونية، كما أظهرت تجارب المحاكاة إمكانية انتقال كميات صغيرة من هذه المواد إلى الزيوت الساخنة، مع التأكيد على أن التلوث لم يكن موجودًا في جميع المنتجات، وأن مستوياته اختلفت بصورة كبيرة من منتج إلى آخر.

وفي عام 2024، نُشرت أكبر دراسة حتى الآن في هذا المجال في مجلة Chemosphere، وشملت تحليل 203 منتجات بلاستيكية سوداء، من بينها عبوات طعام، وأدوات مطبخ، وألعاب أطفال. وأظهرت النتائج أن بعض هذه المنتجات احتوت على مثبطات لهب برومية ومركبات أخرى تُستخدم أصلًا في الصناعات الإلكترونية، مما عزز فرضية انتقال بعض الملوثات من إعادة تدوير النفايات الإلكترونية إلى بعض المنتجات البلاستيكية. إلا أن هذه النتائج لا تعني أن جميع العبوات البلاستيكية السوداء مصنوعة من نفايات إلكترونية أو أنها جميعًا ملوثة. ومن الجدير بالذكر أن الدراسة خضعت لاحقًا لتصحيح حسابي يتعلق بتقدير التعرض لإحدى المواد الكيميائية، إلا أن هذا التصحيح لم يغيّر الاستنتاج الأساسي بشأن وجود تلوث في بعض المنتجات.

ومن المهم أيضًا توضيح أن اللون الأسود بحد ذاته لا يدل على أن المنتج سام أو مصنوع من نفايات إلكترونية، إذ يرجع اللون الأسود في كثير من الأحيان إلى استخدام صبغة الكربون الأسود (Carbon Black)، وهي مادة شائعة الاستخدام في الصناعات البلاستيكية، ولا يمكن من خلال اللون وحده الحكم على سلامة المنتج أو جودته. كما أن انتقال بعض المواد الكيميائية من البلاستيك إلى الطعام أمر معروف علميًا ويُعرف بظاهرة الهجرة الكيميائية (Migration)، إلا أن كمية المواد المنتقلة تعتمد على عوامل عديدة، مثل نوع البلاستيك، ودرجة حرارة الطعام، ومدة التلامس، وطبيعة الغذاء، ولا سيما إذا كان دهنيًا أو شديد السخونة. ولهذا السبب تخضع المواد المخصصة لملامسة الأغذية لاختبارات تنظيمية دقيقة قبل السماح باستخدامها.

أما فيما يتعلق بالمخاوف من السرطان أو اضطرابات الهرمونات أو ضعف المناعة، فلا توجد حتى الآن أدلة علمية قوية تثبت أن استخدام العبوات البلاستيكية السوداء المخصصة للأغذية يؤدي بحد ذاته إلى زيادة خطر الإصابة بهذه الأمراض. صحيح أن بعض المواد الكيميائية التي عُثر عليها في بعض المنتجات، مثل بعض مثبطات اللهب البرومية، قد تكون ذات تأثيرات سامة أو مؤثرة في الهرمونات أو حتى مسرطنة عند التعرض لها بكميات مرتفعة أو في ظروف معينة، إلا أن الدراسات المتوفرة حتى الآن لم تثبت وجود علاقة سببية بين الاستخدام الاعتيادي لعبوات الطعام البلاستيكية السوداء والإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض لدى الإنسان. ومن المهم هنا التمييز بين وجود مادة قد تمتلك خصائص سمية في ظروف معينة (Hazard)، وبين إثبات أن التعرض المعتاد لها يزيد فعلًا من خطر الإصابة بالمرض (Risk)، وهو فرق أساسي في علم السموم وتقييم المخاطر.

وتؤكد الهيئات التنظيمية، مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA)، أن مواد ملامسة الأغذية تخضع لتقييمات واختبارات تهدف إلى التأكد من أن انتقال المواد الكيميائية إلى الغذاء يبقى ضمن الحدود المقبولة، مع استمرار مراجعة الأدلة العلمية كلما ظهرت بيانات جديدة. كما توصي الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية (SFDA) بعدم تسخين الطعام داخل عبوات بلاستيكية غير مخصصة لذلك، وعدم إعادة استخدام العبوات أحادية الاستعمال، وتجنب استخدام العبوات المتشققة أو التالفة، ونقل الطعام الساخن إلى أوعية زجاجية أو خزفية عند الإمكان، وهي توصيات احترازية تهدف إلى تقليل أي تعرض غير ضروري للمواد الكيميائية.

وخلاصة القول، فإن الأدلة العلمية الحالية تشير إلى أن بعض المنتجات البلاستيكية السوداء قد تحتوي على ملوثات ناتجة عن إعادة تدوير غير منضبطة لبعض النفايات الإلكترونية، وقد وثقت عدة دراسات هذه الظاهرة منذ عام 2015، وتدعمت بنتائج دراسة واسعة نُشرت عام 2024. إلا أنه لا توجد أدلة علمية تثبت أن جميع العبوات البلاستيكية السوداء خطرة، أو أنها تسبب السرطان أو اضطرابات الهرمونات أو ضعف المناعة لدى مستخدميها. ولذلك، فإن التعامل مع هذه القضية ينبغي أن يكون مبنيًا على الأدلة العلمية، بعيدًا عن التهويل أو التطمين غير المبرر، مع الالتزام بالإرشادات الصحية العامة، واستمرار متابعة نتائج الأبحاث المستقبلية التي قد تقدم فهمًا أدق لهذه القضية.
يوليو 19, 2026
قراءة المزيد
الأربعاء، 8 يوليو 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل تؤثر تغذية الأم أثناء الحمل في جمال الجنين؟ .. قراءة في ضوء الطب المبني على الدليل


"يعرض هذا المقال الرؤية الطبية المبنية على الأدلة العلمية، ولا يتناول الحكم على المرويات أو مناقشتها من الناحية الشرعية."

ارتبطت فترة الحمل، عبر مختلف الحضارات والثقافات، بالعديد من المعتقدات والعادات الغذائية المتوارثة، التي تنسب إلى بعض الأغذية تأثيرًا في الصفات الشكلية للمولود. ومن أشهر الأمثلة المتداولة في هذا السياق السفرجل والبطيخ، اللذان يُشار إليهما في بعض المرويات والمعتقدات الشعبية على أنهما قد يسهمان في زيادة جمال الجنين، إلى جانب أغذية أخرى نُسبت إليها آثار مشابهة.

ويثير ذلك تساؤلًا مشروعًا: هل تؤيد الأدلة العلمية الحديثة هذه الفكرة؟

من المهم منذ البداية التأكيد على أن هذا المقال لا يناقش صحة المرويات أو دلالاتها الدينية، وإنما يقتصر على استعراض ما توصل إليه الطب المبني على الدليل (Evidence-Based Medicine) فيما يتعلق بالعلاقة بين تغذية الأم أثناء الحمل والصفات الشكلية للجنين.

ويقصد بالطب المبني على الدليل الاعتماد على أفضل الدراسات العلمية المتاحة، مع تقييم جودة الأدلة وموثوقيتها، ودمجها مع الخبرة السريرية، للوصول إلى أفضل استنتاج تدعمه الأدلة العلمية المتوفرة في الوقت الراهن.

كيف تتحدد الصفات الشكلية للجنين؟

تشير المعارف العلمية الحديثة إلى أن الصفات الشكلية الأساسية، مثل ملامح الوجه، ولون البشرة، ولون العينين، ولون الشعر، والطول، تتحدد في المقام الأول بالعوامل الوراثية التي يرثها الجنين من والديه.

أما ما يُعرف بين الناس بـ "الجمال"، فهو ليس صفة بيولوجية واحدة، بل هو مفهوم يضم مجموعة من الصفات الشكلية، مثل تناسق الوجه، وشكل الأنف، وبنية الفك، ولون البشرة، ولون العينين، وغيرها. كما أن معايير الجمال تختلف بين الثقافات والأزمنة والأفراد، ولا تمثل معيارًا طبيًا ثابتًا يمكن قياسه بصورة مباشرة.

ومن منظور علم الوراثة، تُعد معظم هذه الصفات صفات متعددة العوامل (Multifactorial Traits)، إذ تتأثر بتفاعل عدد كبير من الجينات، إلى جانب عوامل تؤثر في النمو والتطور. أما العوامل البيئية خلال الحمل، فتؤثر أساسًا في نمو الجنين وصحته، ولم تثبت الدراسات حتى الآن أنها تمنحه صفات شكلية جديدة أو تغيّر خصائصه الوراثية.

ماذا تخبرنا الأدلة العلمية عن التغذية أثناء الحمل؟

تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن التغذية المتوازنة أثناء الحمل تؤدي دورًا أساسيًا في نمو الجنين وتطور أعضائه وصحته.

ومن الأمثلة الراسخة علميًا:
حمض الفوليك يقلل من خطر تشوهات الأنبوب العصبي.
اليود ضروري للنمو الطبيعي للدماغ والجهاز العصبي.
الحديد يدعم تكوين الدم والنمو الطبيعي للجنين.
البروتين أساسي لبناء الأنسجة والأعضاء.
أحماض أوميغا-3 الدهنية تسهم في تطور الدماغ وشبكية العين.

وفي المقابل، قد يؤدي سوء التغذية أو التعرض لبعض المواد الضارة أثناء الحمل إلى زيادة خطر المضاعفات أو التشوهات الخلقية. كما توجد مواد ثبت ضررها على الجنين، مثل الكحول، والإفراط في فيتامين (A)، وبعض الأغذية غير المبسترة.

وتؤكد هذه الحقائق أن الأثر المثبت علميًا للتغذية يتعلق بصحة الجنين ونموه وسلامته، وليس بإكسابه صفات شكلية محددة.

ماذا عن علم التخلق (Epigenetics)؟

أظهرت الأبحاث الحديثة أن البيئة والتغذية قد تؤثران في كيفية تعبير بعض الجينات عن نفسها، وهو ما يُعرف بعلم التخلق (Epigenetics).

إلا أن هذا يختلف عن تغيير المادة الوراثية نفسها أو إعادة تشكيل الصفات الموروثة. وحتى اليوم، لم تقدم الدراسات دليلًا علميًا موثوقًا يربط بين تناول غذاء معين أثناء الحمل وبين اكتساب الجنين صفات شكلية محددة من خلال هذه الآليات.

هل يختلط مفهوم الصحة بمفهوم الجمال؟

قد يحدث ذلك بالفعل. فالطفل الذي ينمو نموًا صحيًا نتيجة تغذية جيدة قد يبدو أكثر حيوية، ويتمتع بوزن مناسب وبشرة صحية، وهي مظاهر تعكس سلامة النمو، لكنها تختلف عن الادعاء بأن غذاءً معينًا غيّر صفاته الوراثية أو أضاف إليه صفات شكلية جديدة.

ومن هنا، ينبغي التفريق بين تحسين الصحة والنمو، وهو أمر مثبت علميًا، وبين تغيير الصفات الشكلية الموروثة، وهو أمر لا تؤيده الأدلة العلمية الحالية.

وماذا عن السفرجل والبطيخ؟

يُعد كل من السفرجل والبطيخ من الأغذية الصحية، ويمكن أن يكونا جزءًا من نظام غذائي متوازن أثناء الحمل، نظرًا لاحتوائهما على عناصر غذائية مفيدة.
أما الاعتقاد بأن تناولهما يزيد من جمال الجنين أو يغيّر صفاته الشكلية، فلا توجد حتى الآن دراسات علمية موثوقة تثبت وجود علاقة سببية بين الأمرين.

لماذا تستمر هذه المعتقدات؟

تنتقل كثير من المعتقدات عبر الأجيال، كما أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الربط بين الأحداث المتزامنة؛ فإذا تناولت الأم غذاءً معينًا ثم وُلد طفل جميل، فقد تُنسب هذه النتيجة إلى ذلك الغذاء، غير أن التزامن وحده لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية.

ولهذا، لا يعتمد الطب الحديث على التجارب الفردية أو القصص المتناقلة، وإنما على نتائج الدراسات المنهجية المحكمة القابلة للتكرار.

ومن هنا، لا تتضمن توصيات الهيئات العلمية الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) والكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (ACOG)، أي توصية تفيد بأن غذاءً معينًا أثناء الحمل يزيد من الصفات الشكلية للجنين أو يغيّر خصائصه الوراثية.

الخلاصة

تشير الأدلة العلمية المتاحة إلى أن التغذية أثناء الحمل تؤدي دورًا محوريًا في صحة الجنين ونموه وتطور أعضائه، وهو تأثير تدعمه أدلة علمية راسخة.

أما الاعتقاد بأن غذاءً معينًا يمنح الجنين صفات شكلية مميزة أو يغيّر خصائصه الوراثية، فلا تؤيده الأدلة العلمية المتوفرة حتى الآن.

ويبقى من المهم التمييز بين الموروثات المتناقلة والمعرفة العلمية؛ فالعلم لا يصدر أحكامه بناءً على شيوع الفكرة أو قِدمها، وإنما على جودة الأدلة التي تدعمها. ومع استمرار تطور البحث العلمي، تظل المعرفة الطبية قابلة للمراجعة والتحديث كلما ظهرت أدلة جديدة ذات موثوقية عالية.
المراجع المختارة

  • World Health Organization (WHO). Healthy diet during pregnancy.
  • American College of Obstetricians and Gynecologists (ACOG). Nutrition During Pregnancy. Committee Opinion.
  • Williams Obstetrics. Chapter: Maternal Nutrition.
  • Thompson & Thompson Genetics in Medicine. Chapters on Multifactorial Traits.
  • Nature Reviews Genetics. Review articles on Epigenetics and Human Development.
يوليو 08, 2026
قراءة المزيد
السبت، 4 يوليو 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

الحِجامة بين الإرث الشرعي والفوضى التطبيقية: قراءة علمية نقدية


يندرج موضوع الحِجامة ضمن القضايا التي تتقاطع فيها المرجعيات الدينية مع الممارسات الصحية، وهو تقاطع يفرض—بطبيعته—مسؤولية مضاعفة في الفهم والتطبيق. فمن جهة، نجد أن الحِجامة حاضرة في عدد من الروايات الواردة عن النبي محمد ﷺ، وهو ما يمنحها مكانة خاصة في الوعي الإسلامي. ومن جهة أخرى، فإن انتقالها من إطارها النصي إلى حيز التطبيق المعاصر يطرح جملة من التساؤلات التي لا يمكن تجاوزها دون تمحيص علمي ومنهجي دقيق.

إن الإيمان بما ورد في النصوص لا يُغني عن ضرورة فهم آليات التطبيق، ولا يعفي من مساءلة الواقع حين ينحرف عن الأصول أو يغيب عنه الضبط. بل إن هذا الإيمان ذاته يقتضي مزيدًا من التحري، لا سيما حين يتحول المفهوم إلى ممارسة مفتوحة بلا معايير، تُمارَس تحت عناوين دينية دون سند علمي أو إشراف مؤسسي.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الحِجامة—بشقيها الجاف والرطب—قد شهدت في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا من ممارسة تقليدية محدودة إلى نشاط تجاري واسع، يُمارَس في كثير من الأحيان خارج أي إطار تنظيمي واضح. هذا الاتساع لم يصاحبه، للأسف، بناء معايير موحدة أو بروتوكولات تطبيقية معتمدة، بل أصبح المشهد أقرب إلى “سوق مفتوحة”، تختلف فيها الممارسات من شخص لآخر، دون مرجعية علمية تضبطها أو مؤسسة تشرف عليها.

ومن أبرز الإشكاليات في هذا الواقع، غياب التقييم الطبي الحقيقي للحالات. فالكثير ممن يمارسون الحِجامة ليسوا من المختصين في المجال الصحي، ولا يمتلكون القدرة على تقدير الحالات المرضية التي قد تشكل مانعًا أو خطرًا عند إجراء مثل هذه التدخلات، كمرضى السكري، واضطرابات النزف، وضعف المناعة، والأمراض المعدية. وما يُمارس أحيانًا من إجراءات شكلية—كقياس الضغط أو ارتداء المعاطف الطبية—لا يرقى إلى مستوى التقييم الإكلينيكي، بل يظل في إطار المظهر لا الجوهر.

ولا يقف الأمر عند حدود التقييم، بل يمتد إلى النتائج والمضاعفات. فقد لوحظت حالات لآثار جلدية غير مرغوبة، تتراوح بين تصبغات دائمة وتشوهات شبيهة بالحروق، نتيجة تطبيقات عشوائية تفتقر إلى الفهم الدقيق لآليات جرح الأنسجة أو سحب الدم. كما أن احتمالية حدوث التهابات ميكروبية تظل قائمة، خصوصًا في ظل غياب الالتزام الصارم بمعايير التعقيم.

وهنا تبرز قضية أكثر خطورة، وهي معايير مكافحة العدوى. فالإجراءات التي تتضمن اختراق الجلد وسحب الدم تُعد—بحسب التصنيف الطبي—من الإجراءات التي تستوجب أعلى درجات الحذر، نظرًا لإمكانية نقل أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الفيروسي أو فيروس نقص المناعة. ومع ذلك، فإن كثيرًا من الممارسات القائمة لا تتضمن فحوصات مسبقة، ولا تلتزم ببروتوكولات التخلص الآمن من النفايات الطبية، مما يفتح الباب لمخاطر صحية وبيئية لا يُستهان بها.

ومن الجوانب التي تستدعي الوقوف، أيضًا، الخطاب المصاحب للحِجامة في بعض المنصات، حيث يتم تضخيم فوائدها وربطها بعلاج أمراض معقدة، كالأورام، دون وجود دليل إكلينيكي راسخ يدعم هذا الطرح. وهذا النوع من التعميم لا يتعارض فقط مع المنهج العلمي، بل قد يؤدي إلى تضليل المرضى وصرفهم عن مسارات علاجية مثبتة.

كما أن بعض المفاهيم المتداولة، مثل توصيف الدم الخارج بأنه “دم فاسد”، لا تستند إلى أساس علمي. فالدم الداكن هو دم وريدي طبيعي محمّل بثاني أكسيد الكربون، أما التخثر فهو نتيجة تعرض الدم للهواء، وليس دلالة على “فساد” كما يُشاع. إن إعادة إنتاج هذه المفاهيم دون تصحيحها يكرّس فهمًا خاطئًا للفيزيولوجيا البشرية.

وفي مقابل الادعاء بأن الحِجامة “تنشط الدورة الدموية”، يجدر التنبيه إلى أن هذا التأثير—إن وُجد—يمكن تحقيقه بوسائل أكثر أمانًا وثباتًا، كالنشاط البدني الموجّه، والذي يتمتع بأدلة علمية واسعة تدعم فعاليته.

وعند مراجعة الأدبيات العلمية، يتضح أن الدراسات المتعلقة بالحِجامة لا تزال محدودة من حيث الجودة المنهجية، وغالبًا ما تشير نتائجها إلى احتمالية وجود فوائد في حالات محددة فقط، مع تأكيد واضح على الحاجة إلى مزيد من الدراسات المحكمة ذات التصميم الصارم. كما أن بعض الدراسات المقارنة لم تُظهر تفوقًا جوهريًا للحِجامة على بدائل علاجية أخرى، كالعلاج الطبيعي.

وفي ضوء هذا المشهد، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن التوفيق بين احترام الموروث الديني، وبين ضمان السلامة الطبية؟ الإجابة لا تكمن في الرفض المطلق ولا في القبول غير المشروط، بل في إعادة ضبط الممارسة ضمن إطار علمي واضح، يخضع للمعايير الطبية، ويُمارَس تحت إشراف مختصين مؤهلين.

ومن هنا، يمكن طرح بدائل أكثر أمانًا في بعض السياقات، مثل التبرع بالدم، الذي يتم ضمن منظومة طبية منظمة، ويحقق فائدة مزدوجة للمتبرع والمتلقي، دون المخاطر المرتبطة بالممارسات العشوائية. كما أن اشتراط اللياقة الصحية للتبرع يُعد معيارًا منطقيًا يمكن القياس عليه في تقييم أهلية الأفراد لمثل هذه الإجراءات.

خلاصة القول أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الحِجامة ذاته، بل في الطريقة التي تُمارَس بها في الواقع المعاصر. فبين نصٍ يُحترم، وعلمٍ يُحتكم إليه، وممارسةٍ تحتاج إلى ضبط، تبقى المسؤولية قائمة في عدم تسليم الجسد—وهو أمانة—لممارسات غير منضبطة، مهما كانت مبرراتها.

وهنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل ما يُمارَس اليوم تحت اسم الحِجامة يعكس فهمًا واعيًا للنص، أم أنه مجرد ممارسة فقدت بوصلتها بين الدين والعلم؟
يوليو 04, 2026
قراءة المزيد
الثلاثاء، 26 مايو 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

(FDA) وتحذيرات الألوان الحمراء في الأغذية – الحقيقة الكاملة


نعم، بعد التحقق: هناك جزء صحيح وجزء مضلل.

الصحيح أن الـ (FDA) قررت في يناير (2025) إلغاء السماح باستخدام الصبغة الصناعية (Red 3 / FD&C Red No. 3 / Erythrosine / E127) في الأغذية والأدوية الفموية، لأن دراسات أظهرت أنها تسبب السرطان في ذكور الفئران، وبناءً على قاعدة قانونية أمريكية تُسمى (Delaney Clause). وسيُمنح مصنعو الأغذية مهلة حتى يناير (2027)، والأدوية الفموية حتى يناير (2028) لإزالتها.

لكن المضلل في المنشور أنه عمّم الكلام على أي طعام أو مشروب أحمر مثل الزبادي بالفراولة والحليب بالفراولة. هذا غير صحيح؛
التحذير يخص صبغة محددة (Red No. 3) وليس كل لون أحمر، ولا كل المنتجات بنكهة الفراولة.

بعض المنتجات قد تستخدم فراولة طبيعية أو ألوانًا طبيعية مثل الشمندر، وبعضها قد يستخدم ألوانًا صناعية أخرى مثل (Red No. 40)، وهذا ليس هو نفس (Red No. 3). كما أن حظر (Red No. 3) لا يعني وجود دليل مباشر أنها تسبب السرطان في البشر عند الاستهلاك المعتاد، بل القرار مبني على نتائج حيوانية وقاعدة قانونية احترازية.

الخلاصة: اقرأ المكونات. إذا وجدت: (Red 3 / FD&C Red No. 3 / Erythrosine / E127) فالأفضل تجنبه. أما القول إن كل زبادي فراولة أو حليب فراولة “مسرطن” فهو تهويل وغير دقيق.
مايو 26, 2026
قراءة المزيد
الجمعة، 3 أبريل 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل الدجاج الذي نأكله “مليء بالهرمونات”؟ قراءة علمية هادئة


من أكثر المعتقدات انتشارًا في عالم الغذاء اليوم أن الدجاج “مليء بالهرمونات”، وأن نموه السريع لا يمكن تفسيره إلا بتدخلات غير طبيعية. هذه الفكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، خاصة عند مقارنة الدجاج اليوم بما كان عليه في السابق، لكنها عند مراجعتها علميًا لا تستند إلى أساس دقيق.

استخدام الهرمونات في تربية الدواجن محظور قانونيًا في معظم دول العالم، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وذلك وفق أنظمة رقابية صارمة تشرف عليها جهات تنظيمية متخصصة. لكن الأهم من الجانب العلمي أن الهرمونات، حتى لو استُخدمت نظريًا، لا تمثل وسيلة فعالة لتسريع نمو الدجاج. فهرمونات النمو ذات طبيعة بروتينية، وتتحلل في الجهاز الهضمي كما تتحلل البروتينات الغذائية، مما يمنع وصولها إلى الدم بشكل فعّال. كما أن إعطاءها يتطلب الحقن الفردي لكل طائر، وهو أمر غير عملي في مزارع تضم آلاف أو مئات الآلاف من الطيور، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها مقارنة بالعائد، مما يجعل استخدامها غير مجدٍ من الناحية الإنتاجية.

النمو السريع الذي نلاحظه في الدجاج الحديث يمكن تفسيره بالكامل من خلال التقدم العلمي في ثلاثة مجالات رئيسة. أول هذه العوامل هو التحسين الوراثي، حيث تم على مدى عقود اختيار سلالات تتميز بسرعة النمو وكفاءة تحويل الغذاء إلى لحم، وهي عملية تعتمد على الانتقاء العلمي المدروس وليست تدخلًا هرمونيًا. العامل الثاني هو التغذية المتوازنة، إذ تُصمَّم علائق الدواجن وفق احتياجات دقيقة في كل مرحلة عمرية، وتشمل مكونات مثل الذرة والصويا كمصادر للطاقة والبروتين، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن والعناصر الدقيقة التي تدعم النمو والمناعة. أما العامل الثالث فهو الإدارة البيئية، حيث يتم التحكم في درجات الحرارة والإضاءة والتهوية داخل المزارع بطريقة تقلل الإجهاد وتحسّن كفاءة النمو.

ويُستخدم أحيانًا مصطلح “العلف المحسّن” بطريقة توحي بوجود مواد غير آمنة، بينما المقصود به في الواقع هو علف مُركّب وفق معايير علمية دقيقة لتحسين الهضم والاستفادة من الغذاء. وقد يتضمن إضافات مثل الإنزيمات أو البروبيوتيك أو الأحماض العضوية، وهي مواد تُستخدم على نطاق واسع في الإنتاج الحيواني لدعم صحة الأمعاء وتقليل الحاجة إلى الأدوية، ولا تُعد مواد ضارة كما يُشاع.

أما المضادات الحيوية، فهي تمثل الجانب الأكثر حساسية في تربية الدواجن، وقد شهد استخدامها تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. في السابق، كان استخدامها أكثر انتشارًا، بما في ذلك لأغراض وقائية أو لتحسين النمو، إلا أن الحركة العالمية اليوم تتجه نحو تقليل استخدامها بشكل كبير، مع فرض تشريعات صارمة تنظم ذلك. من أهم هذه الإجراءات ما يُعرف بفترة السحب الدوائي (Withdrawal Period)، وهي المدة التي يتم فيها إيقاف الدواء قبل الذبح لضمان عدم وجود بقايا منه في اللحم. كما تُحدد الجهات التنظيمية الحدود القصوى لبقايا الأدوية (Maximum Residue Limits - MRLs)، ويتم فحص المنتجات ضمن برامج رقابية للتأكد من الالتزام بهذه الحدود، إلى جانب التوسع في استخدام بدائل مثل اللقاحات وتحسين برامج التربية والتغذية.

وبالتالي، فإن استهلاك الدجاج ضمن الأنظمة الرقابية المعتمدة لا يُعد مصدرًا ذا خطورة دوائية على الإنسان.

ورغم أن الإنتاج المنظم يخضع لرقابة عالية، إلا أن سلامة الغذاء لا تعتمد فقط على مرحلة الإنتاج، بل تمتد إلى مراحل النقل والتخزين والتحضير. وقد ترتبط بعض المخاطر بسوء الحفظ، أو عدم الالتزام بسلسلة التبريد، أو بالطهي غير الكافي الذي قد يسمح ببقاء بكتيريا مثل السالمونيلا. لذلك، فإن اختيار مصدر موثوق، والحفظ الجيد، والطهي الكامل، تظل عوامل أساسية لضمان سلامة الاستهلاك.

ومع ذلك، تبقى بعض الممارسات غير النظامية في بعض الأسواق المحدودة مصدر قلق، وهو ما يستدعي استمرار الرقابة والتوعية.

وفيما يتعلق بالدجاج “العضوي”، فإنه يُربى وفق معايير مختلفة تشمل نوع العلف وظروف التربية وتقليل استخدام المضادات الحيوية، لكنه لا يختلف عن الدجاج التقليدي من ناحية الهرمونات، لأنها ببساطة غير مستخدمة أصلًا في كلا النظامين. وبالتالي فإن الاختلاف بينهما يتعلق بأسلوب الإنتاج وليس بوجود مواد هرمونية من عدمها.

وعند جمع هذه المعطيات معًا، يتضح أن فكرة احتواء الدجاج على هرمونات هي فكرة شائعة أكثر من كونها حقيقة علمية. فالنمو السريع للدواجن يمكن تفسيره بالكامل من خلال التقدم في العلوم الزراعية، وأنظمة الرقابة الحديثة تقلل بشكل كبير من المخاطر المرتبطة بالإنتاج. وفي المقابل، يبقى التحدي الحقيقي في التمييز بين القلق المبني على أسس علمية، والمخاوف التي تتشكل نتيجة تكرار معلومات غير دقيقة.

وفي المحصلة، المشكلة ليست في الدجاج حين يكون مصدره موثوقًا، بل في المعلومات التي نتلقاها عنه دون تمحيص.
أبريل 03, 2026
قراءة المزيد
السبت، 21 مارس 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

الكلوروفيل وفقر الدم المنجلي: بين التشابه الكيميائي والحقيقة العلمية


في السنوات الأخيرة، تكررت أطروحة تربط بين الكلوروفيل وصحة الدم، وامتد هذا الربط – في بعض الطروحات – إلى الإيحاء بإمكانية فائدته لمرضى فقر الدم المنجلي. وتستند هذه الفكرة إلى ملاحظة تبدو، للوهلة الأولى، معقولة: وجود تشابه بنيوي بين الكلوروفيل والهيموغلوبين. غير أن الانتقال من هذا التشابه إلى افتراض أثر علاجي مباشر هو انتقال يحتاج إلى تمحيص، لأن ما يبدو متقاربًا في الشكل قد يختلف جذريًا في الوظيفة.

فقر الدم المنجلي ليس حالة نقص يمكن سدّه بمركب غذائي، بل هو اضطراب وراثي في بنية الهيموغلوبين ذاته. الطفرة الجينية التي تؤدي إلى تكوّن الهيموغلوبين من النوع HbS تُفضي إلى تغيّر في خصائص كريات الدم الحمراء، فتفقد مرونتها وتتحول إلى شكل منجلي، ما يجعلها أكثر عرضة للتكسّر وأقل قدرة على المرور عبر الأوعية الدقيقة. ومن هنا تنشأ الصورة السريرية المعروفة للمرض، بما فيها نوبات الألم المتكررة، والانسداد الوعائي، ونقص الأكسجة في الأنسجة. إن جوهر المشكلة، إذن، يكمن في خلل بنيوي وظيفي عميق، لا في نقص عنصر يمكن تعويضه ببساطة.

أما الكلوروفيل، فهو جزيء نباتي محوري في عملية البناء الضوئي، ويتميّز بوجود حلقة بورفيرين يتوسطها عنصر المغنيسيوم. وهذا التركيب يذكّر بتركيب الهيموغلوبين، الذي يحتوي على حلقة مشابهة يتوسطها الحديد. ومن هذا التشابه نشأت الفكرة الشائعة التي تقارب بينهما. إلا أن هذا التشابه يظل في نطاق البنية الكيميائية العامة، ولا يمتد إلى الوظيفة الحيوية داخل الجسم البشري. فالهيموغلوبين جزيء متخصص في نقل الأكسجين ضمن منظومة خلوية معقدة، بينما الكلوروفيل يؤدي دورًا مختلفًا تمامًا في سياق بيولوجي آخر.

من الناحية الفسيولوجية، لا يمتلك الجسم آلية لتحويل الكلوروفيل إلى هيموغلوبين، ولا يمكنه استبدال المغنيسيوم بالحديد داخل هذا البناء الجزيئي على نحو مباشر. إن تصنيع الهيموغلوبين يتم عبر مسارات إنزيمية دقيقة داخل نخاع العظم، تخضع لتنظيم صارم، ولا تتأثر بتناول الكلوروفيل. وعليه، فإن القول بأن الكلوروفيل يمكن أن “يعوض” الدم أو يسهم في بناء الهيموغلوبين قول لا يستند إلى أساس علمي معتبر.

يُستشهد أحيانًا بخصائص الكلوروفيل المضادة للأكسدة لتبرير فائدته المحتملة في فقر الدم المنجلي، نظرًا للدور الذي يلعبه الإجهاد التأكسدي في إتلاف كريات الدم الحمراء وتعزيز الالتهاب. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، لا يجد ما يدعمه سريريًا حتى الآن. فالتأثيرات المضادة للأكسدة – إن وُجدت – تبقى عامة وغير نوعية، ولم يثبت أنها قادرة على تعديل المسار المرضي أو تقليل النوبات أو منع الانسداد الوعائي.

وعند الرجوع إلى الأدبيات الطبية، لا نجد دراسات سريرية محكمة تثبت فعالية الكلوروفيل في علاج فقر الدم المنجلي أو حتى في تحسين مؤشراته الحيوية بشكل معتبر. إن معظم ما يُتداول في هذا السياق يقوم على استنتاجات نظرية أو ملاحظات غير منهجية، وهي بطبيعتها لا تكفي لتأسيس توصية علاجية، خاصة في مرض معقّد كهذا.

في المقابل، تتوافر تدخلات علاجية ثبتت فعاليتها بناءً على فهم دقيق لآليات المرض. من ذلك استخدام الهيدروكسي يوريا، الذي يحفّز إنتاج الهيموغلوبين الجنيني ويُحسّن من خصائص كريات الدم الحمراء، إضافة إلى استراتيجيات نقل الدم، وبعض العلاجات الحديثة التي تستهدف التفاعلات الخلوية المسؤولة عن الانسداد الوعائي. هذه التدخلات لم تُبنَ على تشابهات شكلية، بل على معرفة تفصيلية بالمسار المرضي.

قد يلحظ بعض المرضى تحسنًا عامًا عند استخدام مستحضرات تحتوي على الكلوروفيل، إلا أن هذا التحسن – في الغالب – يُفسَّر بعوامل مصاحبة، كتحسن النمط الغذائي، أو زيادة الترطيب، أو حتى الأثر النفسي الإيجابي. وهذه عوامل لا يمكن إغفالها، لكنها لا تعني وجود تأثير نوعي مباشر على المرض ذاته.

خلاصة القول أن الكلوروفيل، رغم كونه مركبًا نباتيًا ذا قيمة غذائية محتملة، لا يُعد علاجًا لفقر الدم المنجلي، ولا توجد أدلة علمية راسخة تدعم تأثيره في تعديل مسار هذا المرض. إن الربط بينه وبين السكل سل هو مثال على كيف يمكن لتشابه كيميائي محدود أن يتحول إلى استنتاج علاجي واسع دون سند كافٍ. وفي الطب، تبقى القاعدة أن الفهم الدقيق للآليات هو الطريق إلى العلاج، وأن ما يبدو بديهيًا لا يُعتمد حتى يثبت بالدليل.
مارس 21, 2026
قراءة المزيد
الأحد، 15 مارس 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

التشابك الكمومي والدماغ: بين الصرامة الفيزيائية وحدود التفسير البيولوجي


حين يُطرح مفهوم التشابك الكمومي (Quantum entanglement) في سياق الدماغ أو الخلايا الحية، فإننا ندخل منطقة فكرية وعلمية شديدة الحساسية؛ منطقةٍ تلتقي فيها فيزياء الكم (Quantum mechanics)، بوصفها أكثر نظريات الطبيعة دقة في توصيف العالم المجهري، مع البيولوجيا العصبية، بوصفها من أكثر العلوم تعقيدًا من حيث تعدد المستويات والتنظيم والوظيفة. ومن هنا فإن أي تناول علمي جاد لهذا الموضوع لا بد أن يميز بوضوح بين ثلاثة مستويات: ما هو ثابت في الفيزياء، وما هو مرجّح أو معقول في البيولوجيا الكمومية، وما هو افتراضي أو تأملي عندما يُنقل الحديث إلى الدماغ والوعي. 

التشابك الكمومي، في معناه الفيزيائي، ليس مجرد “ترابط” بين جسيمين، بل هو بنية ترابط غير كلاسيكية تجعل وصف حالة أحد النظامين غير مكتمل دون الآخر، حتى لو تباعدا مكانيًا. وهو من أكثر ظواهر الكم رسوخًا من الناحية النظرية والتجريبية. غير أن ثبوت التشابك في الأنظمة الفيزيائية المعزولة أو المضبوطة مخبريًا لا يعني تلقائيًا أنه يعمل بالطريقة نفسها داخل الأنظمة البيولوجية المعقدة، لأن السؤال في الأحياء ليس: هل قوانين الكم موجودة؟ بل: هل تبقى التأثيراتالكمومية المنظمة ذات صلة وظيفية على مقياس زمني ومكاني يسمح لها بالتأثير في الظاهرة الحيوية نفسها؟ 

ومن هنا ظهر حقل البيولوجيا الكمومية (Quantum biology)، الذي لا ينطلق من الادعاء بأن الحياة “غامضة” أو “فوق كلاسيكية” بالضرورة، بل من سؤال أكثر تحديدًا: هل توجد في بعض الأنظمة الحيوية آليات استطاعت، عبر التطور، أن تستفيد من ظواهر مثل النفق الكمومي (Quantum tunneling) أو التماسك الكمومي (Quantum coherence) أو ربما أشكال من الارتباط الكمومي، لتحسين الكفاءة أو الانتقائية أو سرعة النقل؟ والمراجعات الحديثة تشير إلى أن هذا الحقل لم يعد محض تخمين فلسفي؛ فهناك نماذج ومؤشرات معتبرة في بعض الظواهر الحيوية، وإن كانت قوة الدليل تختلف من نظام لآخر. لكن هذه النجاحات النسبية في البيولوجيا الكمومية لا تكفي وحدها لتبرير القفز مباشرة إلى الدماغ أو الوعي. 

وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فالدماغ ليس بلورة باردة ولا نظامًا معزولًا قليل الضوضاء، بل هو وسط دافئ، رطب، عالي التفاعل، شديد التعقيد، وغني بالتقلبات الحرارية والكيميائية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المحافظة على الحالات الكمومية الحساسة أمرًا بالغ الصعوبة بسبب ما يعرف بـ فقدان الترابط الكمومي أو (decoherence). وهذه النقطة ليست تفصيلًا تقنيًا صغيرًا، بل هي الاعتراض المركزي الذي يجعل كثيرًا من علماء الأعصاب والفيزياء الحيوية يتحفظون على أي دعوى واسعة حول دور التشابك الكمومي في وظائف الدماغ العليا. فالسؤال ليس هل يمكن أن تنشأ حالة كمومية ما لحظيًا على مستوى جزيئي، بل هل يمكن أن تستمر، وتنتقل، وتتكامل، وتؤدي دورًا سببيًا ذا معنى على مستوى الشبكات العصبية أو التجربة الواعية. 

ومع ذلك، فإن التحفظ العلمي لا يعني إغلاق الباب. فثمة عدة مسارات نظرية حاولت أن تستكشف إمكان وجود طبقة كمومية ذات صلة بالعمل العصبي. من أشهرها الفرضيات المرتبطة بـ الأنابيب الدقيقة داخل الخلايا العصبية (microtubules)، والتي تقترح أن البنية الخلوية الداخلية قد لا تكون مجرد دعامة هيكلية، بل ربما توفر، في ظروف معينة، وسطًا يسمح بأشكال من التماسك أو المعالجة الكمومية. كما ظهرت مقاربات أخرى تتحدث عن دور محتمل للسبينات النووية (nuclear spins)، أو الفوتونات الحيوية (biophotons)، أو البنى الجزيئية شديدة التنظيم (highly organized molecular structures). إلا أن هذه الطروحات، على الرغم من جاذبيتها النظرية، ما تزال موضع نقاش شديد، ولم ترتقِ إلى مستوى النموذج العصبي المعتمد تجريبيًا لتفسير الوعي أو الإدراك أو التكامل الوظيفي في الدماغ. 

ومن المهم هنا التمييز بين “الكمومي” (Quantum) و“الكمومي الوظيفي” (functionally quantum). فكل مادة في أصلها تخضع لقوانين الكم؛ هذا صحيح بلا نزاع. لكن ليس كل ما يخضع لقوانين الكم يُظهر سلوكًا كموميًا مترابطًا على مستوى يمكن أن يفسر وظيفة حيوية كبرى. قد تكون هناك عمليات دقيقة داخل الجزيئات أو البروتينات أو الروابط الكيميائية ذات توصيف كمومي، وهذا متوقع طبيعيًا؛ لكن الادعاء بأن الدماغ يعتمد على التشابك الكمومي بوصفه آلية تشغيل مركزية، أو أن الوعي نفسه ناتج مباشرة عن هذه الظاهرة، هو ادعاء أكبر بكثير من الأدلة المتاحة حاليًا. 

كما أن هناك فرقًا منهجيًا مهمًا بين النموذج المفسِّر والنموذج المستلهم. ففي بعض الأدبيات، تُستخدم لغة الكم أحيانًا بوصفها مجازًا أو إطارًا رياضيًا لوصف ظواهر معقدة في الإدراك أو اتخاذ القرار أو تكامل المعلومات، دون أن يعني ذلك وجود تشابك كمومي فعلي داخل النسيج العصبي. وهذا الاستخدام، وإن كان مشروعًا رياضيًا في بعض السياقات، ينبغي ألا يُخلط مع الادعاء الفيزيائي المباشر بوجود حالات تشابك مستدامة وفعالة في الدماغ البيولوجي. كثير من الالتباس في هذا المجال نشأ أصلًا من الخلط بين “النمذجة الكمية” (quantum modeling) و“الآلية الكمية الفعلية” (actual quantum mechanism). 

السبب الذي يجعل هذا الموضوع مغريًا فكريًا هو أن الدماغ، من الناحية العصبية، يُظهر بالفعل خصائص محيرة: تكاملًا واسع النطاق، تزامنًا شبكيًا، انتقالات طورية، ديناميكيات غير خطية، وحالات عالمية موحدة نسبيًا في الخبرة الواعية. وهذه السمات تدفع بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت التفسيرات الكلاسيكية كافية وحدها، أو ما إذا كانت هناك طبقة أعمق من التنظيم الفيزيائي لم تُفهم بعد. لكن السؤال المشروع لا يعادل الجواب المثبت. وحتى الآن، لا يوجد إجماع علمي معتبر يقول إن التشابك الكمومي هو التفسير المعتمد لهذه السمات العصبية، بل إن معظم ما يطرح في هذا الباب لا يزال في حدود الفرضيات البحثية أو البرامج النظرية الاستكشافية. 

ولهذا، فإن اللغة العلمية الأدق ليست أن نقول: “الدماغ يعمل بالتشابك الكمومي”، ولا أن نقول في المقابل: “هذا مستحيل تمامًا”. الأدق هو القول إن وجود تأثيرات كمومية في الأنظمة الحيوية أصبح مجالًا علميًا جادًا في بعض السياقات، أما نقل ذلك إلى الدماغ والوعي فما يزال غير محسوم، ويواجه عقبات مفاهيمية وتجريبية كبيرة، وفي مقدمتها مشكلة فقدان الترابط وإثبات الصلة الوظيفية المباشرة. هذه الصياغة لا تنتقص من جرأة السؤال، لكنها تحافظ على الحدود التي تفرضها المنهجية العلمية. 

ولو أردنا تلخيص الموقف المعرفي الراهن بدقة، فيمكن القول إن هذا المجال يقف اليوم على ثلاث عتبات:
الأولى، عتبة الفيزياء المثبتة، وفيها التشابك الكمومي حقيقة راسخة.
الثانية، عتبة البيولوجيا الكمومية الجزئية، وفيها توجد مؤشرات ونماذج معتبرة في بعض الظواهر الحيوية.
الثالثة، عتبة الدماغ والوعي، وفيها ما يزال الانتقال من الإمكان النظري إلى البرهان التجريبي الكامل انتقالًا لم يتحقق بعد. 

ومن ثم، فإن أي خطاب علمي ناضج حول التشابك الكمومي في الخلايا أو المخ يجب أن يجمع بين أمرين متلازمين: الانفتاح على السؤال، والانضباط أمام الدليل. فلا يليق بالعلم أن يغلق الأبواب قبل أوانها، كما لا يليق به أن يحول الفرضيات الجميلة إلى حقائق مكتملة قبل أن تنضج أدوات البرهنة عليها. وفي هذا التوازن تحديدًا تكمن قيمة هذا الموضوع: ليس فقط فيما قد يكشفه عن الدماغ، بل فيما يعلّمنا إياه عن حدود المعرفة نفسها، حين تقف الفيزياء على عتبة الحياة، وتحاول أن تفهم كيف تنبثق من المادة خبرة ومعنى وإدراك. 
مارس 15, 2026
قراءة المزيد
الجمعة، 13 مارس 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

الصيام وأمراض الدم الوراثية: متى يكون آمنًا ومتى يصبح مدعاة للحذر؟


يشكّل الصيام قيمة إيمانية عظيمة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على الممارسة الطبية مسؤولية واضحة في توجيه المرضى، خصوصًا المصابين بأمراض الدم الوراثية، إلى القرار الصحيح الذي يجمع بين الوعي الشرعي والانضباط الصحي. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الصيام في مرضى الدم الوراثيين لا ينبغي أن يُبنى على الانطباعات العامة أو النصائح الموحّدة، بل على التقييم الطبي الفردي الدقيق لكل حالة.

وتبرز في هذا السياق حالتان رئيسيتان هما فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، وهما من أكثر أمراض الدم الوراثية شيوعًا وتأثيرًا على حياة المرضى. ففي مرض فقر الدم المنجلي تتعرض كريات الدم الحمراء إلى تغيرات في الشكل والمرونة تجعلها أكثر قابلية للانسداد داخل الأوعية الدموية، بينما تتفاوت الثلاسيميا في شدتها من صور بسيطة إلى حالات أكثر تعقيدًا قد تتطلب نقل دم منتظمًا ومتابعة مستمرة ومراقبة لمضاعفات زيادة الحديد.

تكمن أهمية الحذر في أن الصيام قد يصاحبه نقص في السوائل، واضطراب في مواعيد النوم، وتغير في نمط التغذية، وأحيانًا عدم انتظام تناول الأدوية، وهي عوامل قد تكون ذات أثر مباشر في بعض المرضى. وفي فقر الدم المنجلي على وجه الخصوص، يظل الجفاف من أهم العوامل التي تستدعي الانتباه، لما قد يرتبط به من زيادة احتمالية الأزمات الوعائية المؤلمة أو تفاقم بعض المضاعفات عند المرضى غير المستقرين سريريًا.

ومع ذلك، فليس من الدقة العلمية القول إن كل مريض مصاب بمرض دم وراثي يجب أن يُمنع من الصيام. فالأدبيات الطبية الحالية تشير إلى أن بعض المرضى، وخصوصًا من كانت حالاتهم مستقرة وتحت إشراف طبي منتظم، قد يتمكنون من الصيام دون تدهور واضح، لكن هذا لا يصل إلى درجة التعميم أو إصدار توصية موحّدة. فلا تزال البيانات محدودة، كما لا توجد إرشادات قاطعة تصلح لجميع المرضى دون استثناء.

وفي مرضى الثلاسيميا، لا بد من التفريق بين الحالات البسيطة والحالات المعتمدة على نقل الدم أو المصحوبة بمضاعفات قلبية أو كبدية أو هرمونية أو بزيادة حمل الحديد. فالمريض الذي يحتاج إلى نقل دم منتظم أو إلى خطة علاجية دقيقة لا يمكن تقييم صيامه بمعزل عن حالته السريرية الكاملة، لأن الثلاسيميا ليست كيانًا واحدًا من حيث الشدة أو التأثير.

ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل الصيام مسموح أو ممنوع لمرضى الدم الوراثيين؟ وإنما: أي مريض يمكنه الصيام بأمان، وتحت أي شروط، ومتى يجب منعه أو تأجيله؟

المنهج الطبي الرشيد يقتضي أن يُنصح بعدم الصيام أو بمراجعته فورًا في حالات مثل: عدم استقرار الحالة، أو تكرار نوبات الألم، أو وجود فقر دم شديد، أو الجفاف المتكرر، أو الالتهابات الحادة، أو وجود مضاعفات كلوية أو قلبية أو رئوية، أو صعوبة تنظيم العلاج خلال فترة الصيام. فهذه الحالات لا تحتمل التوصيات العامة، بل تحتاج إلى قرار علاجي واضح ومسبق.

أما المرضى الذين يسمح لهم بالصيام بعد التقييم، فإن نجاح الصيام لديهم لا يعتمد على الرغبة وحدها، بل على خطة صحية واضحة، تبدأ بالحرص على الترطيب الجيد بين الإفطار والسحور، وتجنب فقدان السوائل، وعدم التعرض للإجهاد البدني الشديد أو الحرارة العالية، والالتزام بوجبة سحور متوازنة، وإعادة تنظيم العلاج وفق تعليمات الطبيب المعالج، مع الانتباه المبكر لأي علامات إنذار مثل الألم غير المعتاد، أو الدوخة، أو قلة التبول، أو ضيق النفس، أو الإجهاد الشديد.

ومن المفاهيم المهمة التي يجب تأكيدها أن الرخصة في الإفطار للمريض ليست انتقاصًا من العبادة، بل هي من صميم مقاصد الشريعة في حفظ النفس ودفع الضرر. والطبيب هنا لا يصادر رغبة المريض في الصيام، بل يساعده على اتخاذ القرار الآمن المبني على حالته الفعلية، لا على المقارنة بغيره من المرضى أو على التجارب الشخصية المتفرقة.

وبصورة أوسع، يمكن الإشارة باختصار إلى أن بعض اضطرابات الدم الوراثية الأخرى، مثل نقص إنزيم G6PD، تختلف في طبيعتها عن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا؛ إذ إن الخطر فيها يرتبط أساسًا بالتعرض للمحفزات المؤكسدة مثل بعض الأدوية أو الالتهابات أو الفول، أكثر من ارتباطه المباشر بالصيام نفسه. ولذلك فإن إدراجها في هذا السياق يفيد من باب الشمول، لكن دون أن تُعطى المساحة نفسها المخصصة للأمراض الأكثر ارتباطًا بمسألة الجفاف ومضاعفات الصيام.

وفي الختام، تبقى الرسالة الأهم أن الصيام في أمراض الدم الوراثية ليس قرارًا جماعيًا، بل قرارًا فرديًا بامتياز. فهناك من يستطيع الصيام مع الضوابط والاحتياطات، وهناك من يكون الإفطار في حقه هو الخيار الأسلم والأصح. وما بين الحالتين، يبقى الفيصل الحقيقي هو التقييم الطبي المسبق، والمتابعة الواعية، وتقديم سلامة المريض على كل اعتبار.
مارس 13, 2026
قراءة المزيد
الأحد، 1 مارس 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

الأطعمة ونقص إنزيم G6PD: ما الذي ثبت علميًا أنه يسبب تكسر الدم وما هو الآمن غذائيًا؟


يُعد نقص إنزيم G6PD من اضطرابات الدم الوراثية الشائعة، ويثير الكثير من التساؤلات حول الأطعمة التي قد تُسبب تكسر كريات الدم الحمراء لدى المصابين به. علميًا، يُعتبر الفول (الفافا) الغذاء الوحيد الذي ثبت بشكل قاطع ومتكرر في الدراسات السريرية أنه قد يؤدي إلى انحلال الدم الحاد في مرضى نقص إنزيم G6PD، وهي الحالة المعروفة طبيًا باسم Favism. ويرجع ذلك إلى احتواء الفول على مواد مؤكسدة مثل vicine وconvicine، والتي تتسبب في تلف كريات الدم الحمراء عند غياب الدور الوقائي للإنزيم.

أما باقي البقوليات والأطعمة الشائعة التي يُثار حولها القلق، مثل العدس، الحمص، الفاصوليا، الماش، البازلاء، الصويا، والفول السوداني، فلا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت تسببها في تكسر الدم لدى مرضى نقص إنزيم G6PD. وتُعد هذه الأطعمة آمنة عادة عند تناولها بكميات طبيعية وضمن نظام غذائي متوازن، خاصة عند طهيها جيدًا.

كما تنتشر بعض المعتقدات حول أطعمة أو مكونات أخرى يُقال إنها قد تُسبب الانحلال، مثل السمسم، الحلبة، أو بعض الأعشاب، إلا أن هذه الادعاءات لا تستند إلى دراسات علمية قوية، وغالبًا ما تعتمد على تقارير فردية غير مؤكدة. الأمر نفسه ينطبق على المنتجات الغذائية التي تحتوي على فيتامين C أو بعض المواد المؤكسدة؛ فالجرعات الغذائية الطبيعية لا تُشكّل خطرًا، والمشكلة قد تظهر فقط مع الجرعات الدوائية العالية جدًا، وهو أمر مختلف تمامًا عن الاستهلاك الغذائي المعتاد.

من المهم الإشارة إلى أن معظم حالات تكسر الدم لدى مرضى نقص إنزيم G6PD لا تكون مرتبطة بالغذاء، بل تحدث نتيجة عوامل أخرى أكثر شيوعًا وتأثيرًا، مثل تناول بعض الأدوية المعروفة بخطورتها على هؤلاء المرضى، أو الإصابة بالعدوى والالتهابات، أو التعرض لمواد كيميائية معينة مثل النفثالين المستخدم في كرات طرد العث.

خلاصة القول، من الناحية العلمية، يظل الفول الغذاء الوحيد الذي ثبت بشكل واضح أنه يسبب تكسر الدم في مرضى نقص إنزيم G6PD، بينما لا يوجد دليل قوي يربط أطعمة أخرى بهذا التأثير. لذلك، ينبغي أن يتركز الحذر الحقيقي على تجنب الأدوية والمواد الكيميائية الخطرة، والحرص على علاج العدوى مبكرًا، مع الالتزام بنظام غذائي متوازن وآمن يلبي الاحتياجات الغذائية دون قلق غير مبرر.
مارس 01, 2026
قراءة المزيد
السبت، 28 فبراير 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل يُعد الماش من البقوليات، وهل يُعتبر آمنًا لمرضى أنيميا الخلايا المنجلية ونقص إنزيم G6PD


الماش (Mung bean) ينتمي بالفعل إلى فصيلة البقوليات، وهي نفس الفصيلة التي تضم العدس والفول والحمص والفاصوليا وغيرها من البقول المعروفة. من الناحية النباتية، يُصنَّف الماش ضمن عائلة Fabaceae، وبالتالي يُعد غذائيًا من البقوليات الغنية بالبروتين النباتي، الألياف، والفيتامينات والمعادن.

فيما يخص أنيميا الخلايا المنجلية (Sickle Cell Disease)، لا توجد محاذير خاصة مع تناول الماش. على العكس، يُعتبر غذاءً مناسبًا في معظم الحالات لما يحتويه من عناصر غذائية مفيدة مثل الفولات والحديد النباتي والبروتين، والتي تدعم صحة الدم بشكل عام. يُنصح فقط بطهيه جيدًا وتناوله باعتدال، خاصة لدى المرضى الذين قد يعانون من اضطرابات هضمية أثناء نوبات المرض.

أما بالنسبة لنقص إنزيم G6PD، فمن المهم التفريق بين أنواع البقوليات. الفول (الفافا) معروف بأنه ممنوع تمامًا في هذا المرض لارتباطه بانحلال الدم، إلا أن الماش لا يُعد من الفول المحظور. لا توجد أدلة علمية موثوقة تشير إلى أن الماش يسبب انحلال الدم لدى مرضى نقص إنزيم G6PD، ولذلك يُعتبر آمنًا في الغالب. ومع ذلك، يُفضّل دائمًا عند تناوله لأول مرة البدء بكميات صغيرة مع مراقبة أي أعراض غير طبيعية مثل التعب الشديد أو الاصفرار أو تغيّر لون البول.

بشكل عام، يمكن القول إن الماش بقولٌ آمن عادةً لمرضى أنيميا الخلايا المنجلية ونقص إنزيم G6PD، ولا يُقارن بالفول من حيث الخطورة. ويبقى الاعتدال في الكمية والطهي الجيد عاملين أساسيين لضمان الاستفادة الغذائية وتجنب أي آثار غير مرغوبة.
فبراير 28, 2026
قراءة المزيد
الجمعة، 27 فبراير 2026
تحقيقات ومراجعات بحثية

ما حقيقة الجدل الدائر حول مادة الكاراجينان؟


يُثار جدل واسع حول مادة الكاراجينان (E407)، وغالبًا ما يُقدَّم عنها محتوى يُضخّم المخاطر ويخلط بين الحقائق العلمية والاستنتاجات المبالغ فيها. الكاراجينان مادة مستخلصة من الطحالب الحمراء وتُستخدم كمُكثّف أو مُثبت قوام في العديد من المنتجات الغذائية مثل الحليب النباتي والزبادي والآيس كريم، وهي مُعتمدة للاستخدام الغذائي من الجهات التنظيمية العالمية.

أحد أهم مصادر الخلط هو عدم التمييز بين الكاراجينان الغذائي المستخدم في الأطعمة، والكاراجينان المتحلل (Poligeenan) غير المسموح غذائيًا، والذي استُخدم في بعض الدراسات الحيوانية بجرعات عالية وأظهر تأثيرات التهابية وأذى معوي. علميًا، الكاراجينان الغذائي لا يتحول داخل الجسم إلى هذا النوع المتحلل، ومعظم الدراسات التي أظهرت مخاطر اعتمدت على نماذج حيوانية أو جرعات غير مماثلة لما يستهلكه الإنسان عادة.

حتى الآن، لا توجد أدلة قوية تثبت أن الكاراجينان الغذائي يسبب أمراضًا معوية مزمنة أو “تهتك الأمعاء” لدى الأشخاص الأصحاء، كما لا توجد دراسات بشرية قوية تؤكد أنه يسبب مقاومة الإنسولين أو يرفع مستويات السكر في الدم بشكل مباشر. ومع ذلك، قد يسبب أعراضًا هضمية خفيفة مثل الانتفاخ أو الإسهال لدى بعض الفئات الحساسة، خصوصًا مرضى القولون العصبي أو التهابات الأمعاء، ويُعد ذلك تحسسًا فرديًا لا تأثيرًا عامًا.

وبناءً على ذلك، فإن تجنّب الكاراجينان يُعد خيارًا شخصيًا لمن يلاحظ أعراضًا بعد تناوله، وليس ضرورة صحية للجميع. كما أن وجوده في عدد كبير من المنتجات لا يعني بالضرورة أنه مادة خطرة، بل يعكس دوره التقني في تحسين القوام، مع التأكيد على أن الأهم صحيًا هو تقليل الاعتماد على الأغذية المُصنّعة عمومًا والتركيز على نظام غذائي متوازن، بدل تحميل مادة واحدة مسؤولية مشاكل صحية معقدة.
فبراير 27, 2026
قراءة المزيد
الخميس، 11 يوليو 2024
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل يسبب الهواء البارد مشاكل صحية للجهاز التنفسي؟


عند التنفس، يقوم الأنف بضبط درجة حرارة الهواء وترطِّيبه أثناء انتقاله إلى الرئتين. وهي عملية جوهرية ووظيفة رئيسة من وظائف مداخل الجهاز التنفسي. وهذا الأمر يزداد طرديًا مع ازدياد نسبة جفاف الهواء ومع تأرجُّح درجة حرارته. ومن هنا فإنَّ الهواء البارد والجاف يُهيِّج بطانة الأنف وذلك لحاجته للتدفئة والترطِّيب بصورة أكبر من المُعتاد. ونتيجة لذلك، تفرز الغدد الأنفية في هذه الحالة مخاطًا زائدًا للحفاظ على رطوبة البطانة وكي تُبقيه دافئًا ورطبًا.

ولهذا، فقد يسبب التعرُّض للهواء البارد والجاف سيلان الأنف الذي يصل في بعض الأحيان لسقوط قطرات مائية كبيرة وثقيلة من الأنف. وعلى قاعدة هذا الفهم، فإنَّ ارتداء وشاح يُغطي الأنف خلال الطقس البارد يُساعِد على حماية بطانة الأنف من التهيُّج، ومنها مساعدتها على عدم الدخول في مرحلة السيلان، وذلك لأنَّ الهواء يسخن خلال مروره بالوشاح وقبل أنْ يلامس أنسجة الأنف.

ويجب أنْ نلتفت عمومًا أيضًا إلى أنَّ التعرُّض للهواء البارد والجاف يُرهِق أنسجة الجهاز التنفسي العلوي ويجعلها عُرضة للالتهابات الميكروبية سيما لو كانت مُحملة بالأتربة والقطرات الطائرة التي تحمل في جوفها ميكروبات.

وعليه، فإنَّ بعض ما يتم تقدِّيمه من قبل البعض والذي يسعى لتشتيت فهم الناس بشأن التعرض للهواء البارد والقول بأنَّه لا يُسبِّب مشاكل للجهاز التنفسي لا يتوافق والمنطق المبني على هذا الفهم.
يوليو 11, 2024
قراءة المزيد
الأحد، 18 يونيو 2023
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل يسبب الماء البارد مشاكل صحية يرتقي بعضها للخطير؟


هناك الكثير من المعتقدات الغريبة التي تدور عمومًا في فلك علاقة درجة حرارة مياه الشرب والصحة، والتي لم يكن أخرها أنَّ الماء البارد يسبب السرطان.

ومع وجود كل المعلومات الخاطئة الموجودة هنا وهناك خصوصًا في عصر تكنلوجيا وسائل التواصل الاجتماعي المُتعدِّدة (التي أصبحت إلى حد كبير مُقزِّزة ودفعت الكثير للتنحي بعيدًا عنها وعن أطروحاتها وجدالاتها العقيمة التي باتت كثرتها – للأسف الشديد - تتغلب على المنطق حتى في نظر سامعيها وقارئيها) فإنِّه من الصعب معرفة ما هو حقيقي وما هو وهمي ومُضلِّل من قبل الكثير من الناس.

وأما الشيء المهم هنا الذي أحببت أنْ أشير له (والذي جاء تحت إصرار الإخوة والأخوات) هو: أنَّه بعد البحث في الكثير مما له علاقة بموضوع درجة حرارة ماء الشرب والمرتبط بدائرة الدراسات الأكاديمية والإكلينيكية المستهدفة الطب الحديث (بعيدًا عن بعض الثقافات القديمة كالهندية والصينية والتي لا داعي لتفصيل طرحها) لم أجد أي دليل علمي يدعم فكرة أنَّ شرب الماء البارد يسبب السرطان ولا داعي للقلق بشأن ذلك أيا كانت الأقاويل وقائليها والمسميات التي يحملونها إذا كنتَ تستقي معلوماتك من هذه الدائرة. وأما إنْ كنت ترى أمرًا أخرًا له علاقة بدوائر أُخرى ومقتنع بها، فهذا يندرج تحت عنوان ليس له علاقة بدائرة الدراسات الأكاديمية والإكلينيكية المستهدفة للطب الحديث الذي يرسم إطار هذا الطرح مجملًا. وللعلم، فإنِّي على الدوام مُعتاد على شرب ماء بدرجة حرارة الغرفة لا خوفًا من الماء البارد بل ارتياحًا وتقبلًا للماء بهذه الدرجة على غيره من ماء بدرجات حرارة باردة أو مُسخَّنة، فهي الطبيعة التي أعتدت عليها والطبع يغلب التطبع.

يُضاف إلى هذا الأمر، أنَّنا نستطيع أنْ نستثني من الإشارة المذكورة في الفقرة السابقة محورية التأثير الذي تلعبه درجة حرارة المشروبات والمأكولات (سواء كانت باردة أو ساخنة) على الجهاز التنفسي والهضمي العلوي وفي بعض الحالات المرضية التي تشمل أمراض البلعوم أو عند نزلات البرد وما شابه من استثناءات تسير باتجاه وقعها الأوَّلي عند ملامستها للأنسجة المباشرة عند بداية مطاف هذه الأغذية وقبل أنْ تفقد درجة حرارتها سلبًا أو إيجابًا عند وصولها لجوف الجهاز الهضمي.

وعليه، فإنَّ المؤكد (استرسالًا لما جاء من خلاصة في نهاية الفقرة السابقة) هو أنَّ كل ما نشربه أو نأكله لا يصل إلى الأمعاء (أي إلى نهاية الجهاز الهضمي ومنطقة الامتصاص) إلا وقد اكتسب مجملًا درجة حرارة الجسم وأصبح من سنخها. هذا فضلًا عن أنَّ الكثير من الأحماض الموجودة في المعدة تعمل على تكسّير غالب المحتويات التركيبية للأغذية سواء كانت دهنية أو غير دهنية بعيدًا عن فكرة تجمدها وترسبها بفعل درجة حرارة بعض الأغذية أو المياه المنخفضة كما يقول البعض.

وهنا يجب التأكيد على حقيقة أنَّ الحديث عن درجة حرارة المياه وربطه بأمراض مستعصية فيه ضعف في التقديم، حيث أنَّ المنطق سيدفعنا حينها أيضًا للسؤال عن المأكولات والمشروبات التي يتم تقديمها باردة، فهل هذا يعني بأنَّها هي الأخرى ضارة ويجب تدفئتها قبل أكلها؟

بل وعلى نفس الوتيرة نجد في الطرف الأخر أنَّ هناك من يتحدث عن أنَّ الماء الحار علاج للكثير من الأمراض. ولعل ما تقدَّم من طرح يستهدف كذلك هذه النقطة بشكل غير مباشر.

وأخيرًا وليس أخرًا، يجب الانتباه (وهي النقطة الأهم والتي يجب أن لا نغفل عنها عند الحديث عن درجة حرارة ماء الشرب) إلى أنَّ الجسم البشري يحتاج لكمية كافية من الماء كي يحافظ على رطوبته خصوصًا في مثل هذه الأيام الصيفية الملتهبة حرارتها (تُقدَّر بحدود كأس لكل 10 كيلوات من وزن جسم الإنسان).
يونيو 18, 2023
قراءة المزيد
تحقيقات ومراجعات بحثية

هل صحيح بأن فاكهة المانجا لا ترفع السكر في الدم؟


عموما، فإن كوب واحد من قطع المانجا (كحساب عام) يحتوي على 99 سعرة حرارية معظمها يأتي من محتواه الكربوهيدراتي المعتمد بالدرجة الأولى على ثلاثة أنواع من السكريات تتدرج في تركيزها (من الأدنى للأعلى) على النحو التالي: الجلكوز والفركتوز والسكروز. والسكروز هو سكر ثنائي وليس احاديا (كما هو الحال بالنسبة للجلكوز والفركتوز) وينتج عنه عند تفككه الجلكوز والسكروز أيضا اللذان يخلان في تركيبته الثنائية. ومن هنا نفهم بأن نسبة الجلكوز أقل من الفركتوز وأن السكروز المكوَّن من السكرين السابقين يحتاج لطاقة وزمن نسبي لتفككه.

وحتى تتضح الصورة بشكل أكبر، فإن الوجبة الواحدة من هذه الفاكهة ستزودنا بما هو في حدود 25 جراما من الكربوهيدرات. ومن هذه الكمية من الكربوهيدرات، يُوجَد حوالي 23 جراما من السكر (المُشار له المقدمة)، وحوالي 3 جرام من الألياف. يُضاف إلى هذا احتوائه (كما هو الحال في غالب الفواكه والخضروات) على نسبة من الدهون والبروتين والفيتامينات والمعادن.
ويُقدَّر معدل مؤشر رفع السكر في الدم للمانجا، والذي يُطلَق عليه بـ (glycemic index)، بحوالي 51. ولتوضيح هذا الأمر، نستطيع القول بصورة مجملة بأن الأطعمة التي معدل مؤشر رفع السكر لها في الدم يساوي 55 أو أقل تندرج تحت عنوان "أطعمة منخفضة في قيمة معدل مؤشر رفع السكر في الدم".
 
والسبب في انخفاض هذا المعدل النسبي في المانجا مقارنة ببعض الفاكهة (وليس كلها) يرتبط في أساسه (وهنا الخلاصة التأكيدية) بمسألة انخفاض نسبة الجلكوز فيه مقارنة ببقية السكريات الداخلة في تركيبته الكربوهيدراتية سواء كان ذلك فركتوز أو سكروز ثنائي (كما جاء في الشرح السابق). والإشارة لسكر الجلكوز على وجه الخصوص هنا ترتبط بالدرجة الأولى بدخوله بشكل مباشر في مسألة تقييم ارتفاع السكر في الدم وافراز الأنسولين (وتوضيح هذا الأمر خارج نطاق هذا الشرح لوجود عناوين أخرى تتداخل معه). وهذا الانخفاض لا يعني أبدا بقاء السكر دون تغير عند أكل المانجا ولكن تغيره قد يكون أبطأ وأقل نسبيا من غيره من فاكهة عند حساب التراكيز بصورة نظرية وضمن ميزانه الدقيق.

ولا ننسى بأن كمية الطعام الذي نحصل عليه من هذه الأغذية يُؤخَذ هو الآخر بعين الاعتبار عند تقدير تأثير معدل مؤشر رفع السكر في الدم، ولا يجوز أخذ معدل مؤشر رفع السكر في الدم لوحده كعنوان واحد يعني الشراهة في الأكل دون حسيب أو رقيب.
ويجب أيضا أن نلتفت إلى أن غالب وجباتنا لا تنحصر في نوع واحد، فالأطعمة الإضافية التي نتناولها تلعب دورا هي الأخرى في تأثُّر نسبة السكر في الدم مما يجعل موضوع قياس هذا المُعَّدل مُتعدِّد العناوين في الكثير من الأحيان عند الجمع بين الأطعمة في الوجبة الواحدة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
يونيو 18, 2023
قراءة المزيد
الخميس، 2 يناير 2020
تحقيقات ومراجعات بحثية

الكيتو دايت.. ماذا قالت الدراسات في شؤونه؟


في دراسة واسعة (Meta-analysis) لـ 11 بحث تم أجرؤاها على 1369 شخصًا، أوضحت نتائجها بأنَّ الأنظمة الغذائية متدنية الكربوهيدرات تنزل الوزن لكنَّها ترفع مستويات الـ (LDL) أو ما يُسمَّى بالكوليسترول السيء [1]. بل إنَّ عموم المتخصصين في الدوائر الصحية يؤكِّدون على أنَّ النظام الذي يتضمَّن غذاءً مرتفع الدهون الحيوانية (مثل نظام الكيتو) يتسبب عادةً في رفع مستويات الكوليسترول بسبب ارتفاع الدهون المشبعة في وجباته التي تتداخل مع عمل الكبد فتحفّزها على انتاج كميات أكبر من الكوليسترول (وهو أمر واضح لجميع المتخصِّصين في الدوائر الطبية ولا يحتاج للمزيد من الشرح).

ومع العلم بأنَّ فقد الوزن في حال كان الشخص يعاني من بعض الأمراض يُعدُّ عمومًا مفيد، إلَّا إنَّ استبدال الكربوهيدرات بالدهون المشبعة عبر برنامج مُقيَّد كالكيتو قد يتسبب في الإضرار بصحة الفرد (طالع تحقيقنا السابق). فبعض الدهون ترفع الكوليسترول، وهو الأمر الذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب [7].

فإحدى الدراسات وجدت بأنَّ الحميات التي تتضمَّن كربوهيدرات مرتفعة أو منخفضة بها أعلى معدلات وفاة [8]. وهذا يعني بأنَّ الحصول على الكربوهيدرات الطبيعية بمعدلات متوسطة هو الحل المثالي لصحة جيدة.

وفي العام الماضي، عُرِضت دراسة في مؤتمر الجمعية الأوروبية للقلب (European Society of Cardiology Congress) في ألمانيا - تم أجراؤها على 25 ألف شخصًا - أوضحت بأنَّ الأشخاص الذين ينتهجون في وجباتهم أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات معرّضون (بمعدلات عالية مقارنةً بغيرهم) لخطر: الموت بسبب السرطان، والإصابة بأمراض الأوعية الدموية والقلب، بل وكذلك لخطر الإصابة بأمراض مزمنة أو مستعصية تنهك البدن [9].

وفي دراسة أُخرى، تم نشرها أيضًا في عام 2018م في مجلة اللانست (the Lancet)، بيَّنت نتائجها بأنَّ الأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات ومرتفعة في كمية لحوم الحيوانات (أي المتطابقة مع نظام الكيتو) معرّضون لخطر الموت المُبِّكر مقارنةً بأولئك الذين يستهلكون كميات متوسطة من الكربوهيدرات [10]. ومع العلم بكل هذا، فإنَّ العكس كان صحيحًا بالنسبة للأشخاص الذين كانوا يتبعون أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات ولكنَّهم يفضلون البروتينات النباتية على الحيوانية.

وكما يبدو، فإنَّ حمية الكيتو تستقطب الذين يعانون من السكر، لأنَّها تؤثِّر على مستويات الإنسولين وعلى إنزال الوزن. فالإنسولين يُفرَز عند تناول الكربوهيدرات، ولهذا فإنَّ تقلِّيل الكربوهيدرات يُقلِّل الحاجة للإنسولين. وعليه تدور بعض الدراسات حول رحى مقدرة هذه البرامج على تحسِّين حساسية الإنسولين [3] [4].

إلَّا أنَّه لا بُدَّ أنْ نذكر أيضًا في هذا المقام: إنَّه في حال كنت تشتكي من السكر من النوع الثاني (type 2 diabetes)، فيجب عليك حينها الابتعاد عن هذا النظام الغذائي حتى تحصل على الإذن من طبيبك المُطّلع والمُشرِف على حالتك الصحية. والسبب في هذا يرجع إلى أنَّ الناس الذين يشتكون من السكر قد تتوَّلد لديهم – بسبب الكيتونية (ketosis) – مشكلة صحية خطيرة تُسمَّى بِـ حامضية الكيتون (ketoacidosis)، وهو أمر يظهر عندما يُخزِّن الجسم الكثير من الكيتونات (وهي عبارة عن أحماض تنتج من حرق الدهون)، حيث يُصبِح الدم عندها حامضيًا، الأمر الذي يُمكِّنه من التسبب في الكثير من الأذى للكبد والكليتين والدماغ. وفي حال تُرِكتْ هذه المشكلة الصحية بدون علاج فإنَّ النتائج قد تكون مُهدِّدة للحياة.

ولا يقتصر الأمر على مرضى السكر، بل إنَّه قد تم تسجِّيل حالات تشتكي من حامضية الكيتون (ketoacidosis) أيضًا في أشخاص لا تعاني من السكر من الذين كانوا يتبعون نظام الكيتو، علمًا بأنَّ هذا الأمر نسبيًا قليل الحدوث [5].

وتتضمّن أعراض حامضية الكيتون (ketoacidosis): جفاف الفم، وكثرة التبّول، والغثيان، والنفس الكريه، وصعوبة في التنفس. وفي حال كنت تُعاني من هذه الأعراض أثناء اتباعك لنظام الكيتو فلا بُدَّ حينها من استشارة طبيبك مباشرةً.

وفي الجانب الأخر، لا بُدَّ أنْ نلتفت أيضًا إلى أنَّ هناك مخاطر تتعلق بموضوع تغيير الطريقة الأيضية التي تقوم بها أجسامنا عند إنتاج الطاقة. فالغذاء الغني بالكربوهيدرات المكررة الصناعية يرتبط بعدم التوازن الغذائي التي تشمل مرض الكبد الدهنية (NAFLD) الذي يُصاحب مرض السكر من النوع الثاني والسمنة [6]، ولكنَّ نتائج دراسات أخرى أيضًا تُبيِّن أنَّ النظام الغذائي الكيتوني في حد ذاته يزيد من مخاطر الإصابة بالسكر أيضًا [11].

وعلى هذا الأساس، يُسمِّيه بعضهم بِـ "كابوس أطباء القلب" (cardiologist’s nightmare)، كما تُفيد بذلك آمندا ماكميلان (Amanda MacMillan) في تقريرها على موقع الصحة (Health) المنشور في التاسع والعشرين من آب عام 2018م.

ومع العلم بأنَّ حمية الكيتو صيحة جديدة في عالم خسارة الوزن عرفتها فئة الشباب في السنوات الأخيرة، إلَّا أنَّ الأنظمة الكيتوجينية (ketogenic) - بالإضافة للأدوية - قدَّمت نتائج ملموسة في خفض نوبات الصرع عند الأطفال من قبل ذلك. ففي إحدى الدراسات انخفاض معدل نوبات الصرع في 38% من الأطفال بحدود النصف [2]. وهنا يجب أنْ ننتبه إلى أنَّ هؤلاء الأطفال كانوا تحت إشراف أطبائهم والقائمين على تغذيتهم من الإكلينيكيين بشكل مباشر (فلاحظ هذه العبارة جيدًا).

ولكن السؤال الواجب طرحه - في الجهة المعاكسة - هو عن وجود دراسات بعيدة المدى تقول بأنَّه نظام صحي وأمن وينصح به على وجه العموم للأصحاء (بعيدًا عن محورية إنزاله للوزن)!؟ هل هي موجودة!؟ وهو السؤال المنطقي الواجب طرحه (ونحن هنا لا نتحدث عن تجارب خاصة وكتب لأشخاص يعملون في هذا المجال، أو عما تمت الإشارة له من محور علاجي استهدف بعض الأمراض كالصرع، بل عن دراسات محكمة في مجلات علمية طبية وتحمل توجيهاتها للجميع باستخدامه كما جاء في هذا التحقِّيق). ومن ثم سنسأل عن طبيعتها في قبال المتوفِّر حاليًا من دراسات قائمة!؟ وهل ما يتم استعراضه حاليًا من دراسات حول موضوع أضراره الصحية سيكون ملغيًا!؟

وبحسب اطلاعنا وبحثنا، فإنَّه لا تُوجَد دراسات بعيدة المدى (من النوع المذكور في الفقرة السابقة) عليه!؟ ويجب الانتباه للعبارة بثقلها البحثي، أي عبارة "درسات محكمة بعيدة المدى" تقول بأنَّه نظام أمن ويُنصَح به للجميع! وإذا كان هناك أمر من هذا النوع فلنناقشه سويًا بصدور رحبة ونفوس هادئة، فالحوار العلمي مدخل لبيت الحقيقة.

وبالمناسبة، فإنَّ عملية إنزال الوزن عبر مثل هذه البرامج المتدنية الكربوهيدرات قد تكون عملية قصيرة المدى، وذلك لأنَّ الأنظمة التي تدور في هذا الفلك - كحمية الكيتو (keto) - من الصعب الاستمرار عليها لمدد طويلة. وهذا الأمر مُماثل تمامًا لأي نظام غذائي قصير المدى، حيث إنَّ من يسلكون مثل هذه البرامج سرعان ما يكسبون أوزانهم مرةً ثانيةً بعد التوقُّف عنها، وذلك لأنَّهم يعودن إلى ما كانوا عليه في السابق من عادات غذائية. وعلى العكس تمامًا، فإنَّ تغيير نمط الحياة والتوقٌّف عن العادات الغذائية غير الصحية والبدء في البرامج الصحية الموزونة التي يستطيع الشخص القيام بها والمدعومة بالرياضة هو الأمر الواجب سلكه من أجل إنزال الوزن، لأنَّ نتائجها تمتاز بالاستقرار والثبات.

والخُلاصة هي أنَّه عندما يكون فقدان الوزن بشكل سريع أمر مشجع، فإنَّه من المهم أنْ نأخذ بعين الاعتبار كل من الفوائد الصحية والمخاطر المحتملة لأي حمية. ومن هنا، فإنَّ النجاح الطويل المدى على جميع المستويات سيكون موجود في الحمية المتوازنة صحيًا والمحتوية على المجموعات الغذائية المتنوعة بطريقة ممنهجة، والتي تقل فيها مستويات الكربوهيدرات الصناعية المكررة والأغذية المعلبة بعد استبدالهم بالفواكه الطازجة والخضراوات والبروتينات المتنوعة الخالصة، والتي يتم تعزيزها بالتمارين الرياضية.

----------------------------------------------------------------------------------
[1] Mansoor N, Vinknes KJ, Veierød MB, Retterstøl K. Effects of low-carbohydrate diets v. low-fat diets on body weight and cardiovascular risk factors: a meta-analysis of randomised controlled trials. The british journal of nutrition. 2016;115(3):466-479. doi:10.1017/S0007114515004699 

[2] Neal EG, Chaffe H, Schwartz RH, et al. The ketogenic diet for the treatment of childhood epilepsy: a randomised controlled trial. The lancet neurology. 2008;7(6):500-506. doi:10.1016/S1474-4422(08)70092-9 

[3] Brinkworth GD, Wycherley TP, Noakes M, Buckley JD, Clifton PM. Long-term effects of a very-low-carbohydrate weight-loss diet and an isocaloric low-fat diet on bone health in obese adults. Nutrition. 2016;32(9):1033-1036. doi:10.1016/j.nut.2016.03.003 

[4] Eric C Westman, William S Yancy, John C Mavropoulos, Megan Marquart, Jennifer R McDuffie. The effect of a low-carbohydrate, ketogenic diet versus a low-glycemic index diet on glycemic control in type 2 diabetes mellitus. Nutrition & metabolism. 2008;5:36-36. doi:10.1186/1743-7075-5-36. 

[5] Louise von Geijer and Magnus Ekelun. Ketoacidosis associated with low-carbohydrate diet in a non-diabetic lactating woman: a case report. J Med Case Rep. 2015; 9: 224. Published online 2015 Oct 1. doi: 10.1186/s13256-015-0709-2 

[6] Asrih M, Jornayvaz FR. Diets and nonalcoholic fatty liver disease: the good and the bad. Clinical nutrition. 2014;33(2):186-190. doi:10.1016/j.clnu.2013.11.003 

[7] Peters SAE, Singhateh Y, Mackay D, Huxley RR, Woodward M. Total cholesterol as a risk factor for coronary heart disease and stroke in women compared with men: a systematic review and meta-analysis. Atherosclerosis. 2016;248:123-131. doi:10.1016/j.atherosclerosis.2016.03.016 

[8] Seidelmann SB, Claggett B, Cheng S, et al. Dietary carbohydrate intake and mortality: a prospective cohort study and meta-analysis. The lancet public health. 2018;3(9):428. doi:10.1016/S2468-2667(18)30135-X 

[9] Caution against cutting down on carbohydrates. European Society of Cardiology(ESC) Congress News 2018 - Munich, Germany. 28 Aug 2018 

[10] Sara B Seidelmann, Brian Claggett, Susan Cheng, Mir Henglin, Amil Shah, Lyn M Steffen, et al. Dietary carbohydrate intake and mortality: a prospective cohort study and meta-analysis. The Lancet. VOLUME 3, ISSUE 9, PE419-E428, SEPTEMBER 01, 2018 DOI:https://doi.org/10.1016/S2468-2667(18)30135-X 

[11] Ketogenic diets may lead to an increased risk of type 2 diabetes. THE PHYSIOLOGICAL SOCIETY. PUBLIC RELEASE: 8-AUG-2018
يناير 02, 2020
قراءة المزيد
الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019
تحقيقات ومراجعات بحثية

الكيتو دايت.. آثاره الجانبية المزعجة بمنظور طبي دقيق


يرتكز الكيتوجينك دايت (ketogenic diet) المعروف بِـ الكيتو دايت (Keto diet) أو بِـ الكيتو (keto) والذي يسلكه البعض بهدف فقد الوزن بصورة سريعة - باختصار - على نظام غذائي قوامه العام: "قلة الكربوهيدرات وارتفاع الدهون" (كما يُبيِّن الرسم في صورة غلاف هذا التحقِّيق)، وهو النظام الغذائي الذي بدأ القاصي والداني (بقصد أو غير قصد) يسوَق له ويدعو الناس لتطبيقه. إلَّا إنَّ مجموعة يُعتدُّ بها من خبراء الصحة والأنظمة الغذائية والباحثين في هذا المجال يُظهِرون الكثير من القلق تجاهه، بسبب طبيعة الأثار الجانبية والمضاعفات الصحية التي قد تنتج عنه (وهو ما سنُناقشه في هذا التحقِّيق بمنظور صحي دقيق).

وفي مطلع هذا التحقِّيق لا بُدَّ من بيان بأنَّ هذا النظام قد أصبح - في الآونة الأخيرة - من العناوين الكبيرة على المواقع العامة التي تضع خطط لفقد الوزن. بل إنَّ الكثير من المشاهير في العالم الغربي من غير المتخصّصين في الجانب الصحي والغذائي بدأوا مؤخّرًا أيضًا تعلِّيم الناس طرق اتباع هذا النظام، أمثال جينة جيمسون (Jenna Jameson) وماما جون (Mama June) وهيل بيري (Halle Berry). ولعل معظم هؤلاء المشاهير هم من الذين تجد صورهم على صفحات مجلات الدعاية والتسويق، وهو الأمر الذي أكَّدت عليه ميلندا هميلجان (Melinda Hemmelgarn) أخصائية التغذية في كولومبيا التابعة لولاية ميزوري الأمريكية.

وفي التفاصيل، سنجد بأنَّ هذا النظام الغذائي يدفع صاحبه إلى تقلِّيل كمية الكربوهيدرات إلى حدود 20 جرام في اليوم الواحد أو أقل من ذلك أيضًا، بينما يرفع البعض هذه الكمية إلى حدود 50 جرام في اليوم. على العموم، تبقى هذه الكميات ضمن الحدود المتدنية جدًا لاحتياج الجسم البشري. ولا يُكتفَى بهذا فحسب، بل وتجد أتباعه (كما جاء في المقدمة) يزيدون كمية الدهون في وجباتهم بطريقة جنونية من أجل تعوّيض بقية المجموعات الغذائية، وذلك كي يصل الجسم إلى المرحلة الكيتونية (ketosis) التي تعني حرق الدهون بدلًا من السكريات من أجل إنتاج الطاقة (1)، وهو الأمر الذي يأتي معاكسًا للتوصيات الغذائية الصحية الموزونة!

ويُشير بعض المُتخصِّصين إلى أنَّ نظام الكيتو قد يكون مُفيدًا في علاج الصرع، علمًا بأنَّ الأبحاث لم تستطع بيان حقيقة السبب المرتبط بهذا الأمر؛ ولكن هناك شيء ما يتعلَّق بالحالة الكيتوجينية التي تملك القدرة على تقلِّيل تكرار نوبات الصرع، وهو أمر علاجي وخارج نطاق ما نستهدفه في هذا التحقِّيق، بل إنَّه من غير المنطقي أنْ يتخذ مسوّقي الكيتو هذا الأمر ذريعةً تترّر ما يقومون به. وهنا يجب أنْ ننتبه إلى أنَّ هؤلاء الأطفال كانوا تحت إشراف أطبائهم والقائمين على تغذيتهم من الإكلينيكيين بشكل مباشر (2).

وتناقش بعض الدارسات - التي أُجريت على الحيوانات - أيضًا مقدرة هذا النظام على محاربة الأورام السرطانية. ولقد أشارت لهذا الأمر أيضًا فرانسين بلينتن (Francine Blinten) المتخصّصة في التغذية الإكلينيكية والاستشارية في الصحة العامة في جرينويش التابعة لولاية كينكتيكت الامريكية. بمعنى أنَّنا مازلنا ندور في فلك عناوين الدراسات والأبحاث العلاجية بأطرها المُقيَّدة والضيقة جدًا!

إلَّا إنَّه عند النظر لموضوع خطط إنزال الوزن، سنجد - واقعًا - بأنَّ الكيتو نظام مُعقّد ويتضمّن الكثير من المحاور الجدلية، بل إنَّ تعقيده أكثر مِمَّا نتصوَّر، حيث يحذر مجموعة من خبراء الصحة منه بشكل كامل، بل ويوثِّقون في مقالاتهم أثار جانبية له ومخاطر صحية غير مُحبَّبة قد تنتج عنه، بل ويؤكِّدون أيضًا على عدم قدرته كنظام غذائي على إعطاء نتائج ثابتة يُعتمَد عليها في المستقبل. وفي ذات الموضوع، يعترف مؤيدو هذا النظام الغذائي بهذا الأمر ويقرون به، ولكنَّهم يُخفِّفون من حدة وطأته بالقول: "إنَّ الأمر قد يكون مرتبط بعدم استخدامه بالطريقة الصحيحة، حيث عندها ينتج عنه نتائج عكسية".

وعلى كل حال فإنَّ الفئة القادرة على الدخول في أعماق هذه القضية الغذائية هم المتخصَّصون في الدوائر الطبية وليس المنتديات العامة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي الذين يطرحون الكثير من المغالطات والتوجيهات الخاطئة عند استعراضهم لمثل هذه البرامج الشاذة عن النهج المتوازن غذائيًا.

وسوف نستعرض في السطور القادمة بعض عناوين الآثار الجانبية والمضاعفات الصحية المرتبطة بنظام الكيتو (الواجب الالتفات لها والتعرُّف عليها قبل تجربته والخوض في مستنقعاته كحمية غذائية هدفها إنزال الوزن، وسنرتبها بشكل تدريجي حتى نصل إلى الأكثر أهمية منها).

أولًا: أنفلونزا الكيتو (The keto flu)

يشكو مجموعة يُعتدُّ بها من الذين يبدؤون هذا النظام - عند انطلاقتهم الأولى - بالشعور بالمرض، وهو أمر لا جدل فيه ويقرّه المتخصِّصون في الدوائر الصحية، ومن أمثلتهم كريستن كيزر (Kristen Kizer) المُتخصِّصة في مركز هيوستن الطبي المنهجي (Houston Methodist Medical Center)، حيث تقول: "هناك حالات اشتكت من نوبات قيئ، وعدم ارتياح في الجهاز الهضمي، والكثير من الكسل والإجهاد والتعب"، وهي الأعراض التي يُطلَق عليها بِـ أنفلونزا الكيتو، والتي تزول بعد فترة من الدخول في النظام (كما تقول)، إلَّا إنَّ بعضهم بقيت معه فترة أطول من المعتاد.

ويُقدِّر الدكتور جوش إكس (Josh Axe) المُتخصِّص في الطب الطبيعي والتغذية الإكلينيكية: بأنَّ ما يُعادل 25% من الذين يُجرّبون نظام الكيتو يُعانون من مثل هذه الأعراض التي من أهمها التعب الشديد والإرهاق التي تتصدّر القائمة، حيث يقول: "يحدث هذا الأمر لأنَّ الجسم يفقد مخزونه من السكر المُخصَّص في الوضع الطبيعي لإنتاج الطاقة، ويبدأ في استخدام الدهون، وهذا التحوّل لوحده يكفي لشعور الجسم بالتعب والإرهاق لمدة أيام". ومن ثَمَّ يقول: "بأنَّ الأمر قد يتطلّب شرب كميات كبيرة من الماء والحصول على قدر وافر من النوم كي يستطيع أنْ يقاوم ولو بشكل نسبي تأثيرات أنفلونزا الكيتو".

ثانيًا: إسهال الكيتو (keto diarrhea)

عند انتهاجك لهذا النظام الكيتوني، فقد تجد أنَّك لست الوحيد الذي يشكو من الإسهال، ويكفي هنا أنْ تبحث في منتديات مُتبعي نظام الكيتو لتتعزَّز في ذهنك هذه المعلومة. بل إنَّ هناك من يُغرِّد باللغة الإنجليزية تحت عنوان "إسهال الكيتو" (keto diarrhea). وقد يكون هذا راجعًا لعمل المرارة (العضو الذي يفرِز العصارة الصفراوية من أجل تكسّير الدهون في الغذاء) التي تكون حينها في حالة ذهول من هذا التحوّل الغذائي الخارج عن نطاق عملها المُعتاد وعن استيعابها البيولوجي، وهو الأمر الذي أكّد عليه أيضًا جوش إكس.

وقد يكون الإسهال ناتجًا أيضًا عن غياب الألياف في النظام الغذائي الكيتوني (كما تقول كريستن كيزر)، وهو الأمر الذي قد يحدث مع أي شخص ينقطع عن التزوّد بالكربوهيدرات (مثل الحبوب الكاملة)، أو لا يحصل على بقية الأغذية الغنية بالألياف مثل الخضراوات.

وقد يكون الإسهال أيضًا بسبب عدم تقبّل بدائل السكر المُحلّية، وهي المواد التي قد تعتمد عليها بشكل أكبر عند دخولك في هذا النظام الغذائي والتي يتم التسوًيق لها عادةً على المواقع الداعية لانتهاج الكيتو من أجل إنزال الوزن (كون قاعدته منخفضة الكربوهيدرات)، والذي قد يُصبِح فيما بعد هو الروتين الحياتي المتبع من قبلك. بل إنَّ الكثير من الملاحظات قد تم تسجيلها على أغذية كيتونية تحتوي مُحلِّيات عليها ما عليها من ملاحظات صحية، من أهمها المالتيتول (maltitol) الذي تنتج عنه أعراض غير المحببة في الجهاز الهضمي (من ضمنها الاسهال). ولقد كتبنا سابقًا حول هذا الموضوع وبيَّنا ما تعنيه هذه المُحلِّيات.

بل إنَّ ما هو مُعاكِس للإسهال (وأعني هنا الإمساك) قد يحدث أيضًا، خصوصًا عند عدم التزوُّد بكميات كبيرة من الماء، حيث إنَّ الكثير من مُتَبِعي هذا النظام لا يحصلون على كفايتهم من الماء. بل إنَّ جزءً يُعتدُّ به من الوزن الذي يخسرونه يتمثّل في فقدان الأنسجة لمحتواها المائي، الأمر الذي يجعلها تشعر بالخمول والتعب الشديد والترهُّل (وستأتي الإشارة لهذه النقطة فيما بعد أيضًا على لسان بعض من جربوا هذا النظام)، وهو الأمر الذي نستطيع تقدِّيمه تحت عنوان "تعطّش الأنسجة"!

ثالثًا: انحدار القدرة على بدل المجهود سِيَّما ممارسة الرياضة

إنَّ تدنّي مستوى القدرة على بدل المجهود من العناوين التي يشعر بها الكثير من الرياضيين الذي جربوا هذا النظام. ففي الوقت الذي نجد فيه أنَّ بعضهم يقول (إضافة لمساعدته إياهم على خسارة الوزن): "إنَّه يُحسِّن نشاطهم الرياضي"، يُبدى الدكتور إدوارد ويس (Edward Weiss) - الذي يعمل كبروفيسور مُشارِك في علوم الغذاء والأنظمة الغذائية في جامعة سينت لويس (Saint Louis University) - امتعاضه من مقولتهم هذه ويقول: "لقد استمعت لمتسابقي دراجات هوائية يقولون على الدوام بأنَّهم أسرع وأفضل الآن لأنَّهم يتبعون نظام الكيتو، ولكن استفهامي الأوَّل لهم هو: كم خسرتم من أوزانكم؟".

فَفي دراسة حديثة في مجلة طب الرياضة واللياقة البدنية (Journal of Sports Medicine and Physical Fitness)، وجد إدوارد ويس وزملائه الباحثون بأنَّ المُشاركين في الدراسة تدنّى مستواهم أثناء ممارستهم لقيادة الدراجات تحت مجهود عالي وأثناء مهام الجري بعد أربعة أيام فقط من انتهاج "الكيتوجنيك دايت"، مقارنةً بالمجموعة التي كانت تنتهج برنامج غذائي يتضمّن كربوهيدرات ضمن نطاقها المنصوص عليه. وقال ويس: "بأنَّه في الحالة الكيتونية، يكون الجسم أكثر حامضية، وهو الأمر الذي قد يقوّض مقدرته على أداء أي مجهود".

ويقول ويس أيضًا: "إنَّ خسارة بعض الوزن فقط يكفي لإعطائك إيجابية في سباق الدراجات (بغض النظر عن السبب)، ولكنّني قلق جدًا من ربط هذا الأمر بعنوان محدد في الكيتوجينك دايت؛ حيث إنَّه على أرض الواقع، فإنَّ فوائد خسارة الوزن قد تكون – على الأقل وبشكل جزئي – ملغية في قِبال تدنِّي الأداء".

رابعًا: حامضية الكيتون (ketoacidosis)

لا بُدَّ أنْ نذكر هنا أنَّه في حال كنت تشتكي من السكر من النوع الثاني (type 2 diabetes)، فيجب عليك حينها الابتعاد عن هذا النظام الغذائي حتى تحصل على الإذن من طبيبك المُطّلع والمُشرِف على حالتك الصحية، وهو الأمر الذي أكَّدت عليه كريستن كيزر أيضًا، حيث تقول: "إنَّ الكيتونية (ketosis) – في الواقع - قادرة على مساعدة الناس الذين يشتكون من ارتفاع السكر في الدم على تخفِّيف أوزانهم، إلَّا إنَّه يجب عليهم أنْ يكونوا عقلاء بشأن سكر الدم وأنْ يتابعوا مستويات الجلكوز فيه عدة مرات في اليوم".

والسبب في هذا يرجع إلى أنَّ الناس الذين يشتكون من السكر قد تتولد لديهم – بسبب الكيتونية – مشكلة صحية خطيرة تُسمَّى بِـ حامضية الكيتون (ketoacidosis)، وهو أمر يظهر عندما يُخزِّن الجسم الكثير من الكيتونات (وهي عبارة عن أحماض تنتج من حرق الدهون)، حيث يُصبِح الدم عندها حامضيًا، الأمر الذي يُمكِّنه من التسبب في الكثير من الأذى للكبد والكليتين والدماغ. وفي حال تُرِكتْ هذه المشكلة الصحية بدون علاج فإنَّ النتائج قد تكون مُهدِّدة للحياة.

ولقد تم تسجِّيل حالات تشتكي من حامضية الكيتون (ketoacidosis) أيضًا في أشخاص لا تعاني من السكر من الذين كانوا يتبعون نظام الكيتو، علمًا بأنَّ هذا الأمر نسبيًا قليل الحدوث (7).

وتتضمّن أعراض حامضية الكيتون (ketoacidosis): جفاف الفم، وكثرة التبّول، والغثيان، والنفس الكريه، وصعوبة في التنفس. وفي حال كنت تُعاني من هذه الأعراض أثناء اتباعك لنظام الكيتو فلا بُدَّ حينها من استشارة طبيبك مباشرةً.

خامسًا: رجوع الوزن مرةً أُخرى لما كان عليه في بداية المطاف

إنَّ نظام الكيتو مُقيَّد بعناوين غذائية مُحدَّدة، وهو الأمر الذي يدفع خبراء الصحة للقول: "بأنَّه من غير المناسب أنْ تُخطِّط لاتباعه على المدى البعيد". بل إنَّ الدكتور جوش إكس (الذي جاء ذكره في الفقرات السابقة) يقول: "بأنَّ اتباع هذا النظام يجب أنْ يكون مُقيَّدًا بفترة زمنية تنحصر بين 30 و90 يومًا، ومن ثَمَّ الرجوع للنظام الغذائي المُستقر"، وهو ما أكّدت عليه أيضًا ميليسا بيلي (Melissa Bailey) المتخصّصة في علوم التغذية الإكلينيكية في مستشفى جامعة بنسلفانيا (Hospital of the University of Pennsylvania)، حيث تقول: " في المستشفى وتحت الكثير من الرقابة، فإنَّنا حينما نخضع أحد المرضى للنظام الكيتوني لأسباب طبية مثل الصرع، فإنَّه يكون من الصعب أنْ نجعله يستمر عليه".

ولكن المُشكلة في هذا الأمر (كما يقول الدكتور جوش إكس) تكمن في إنَّ الكثير من الناس يكسبون وزنًا أكثر من الوزن الذي خسروه أثناء اتباعهم نظام الكيتو بِمُجرَّد رجوعهم للكربوهيدرات. ويوضِّح الدكتور جوش إكس هذا الكلام عبر عبارته التي يقول فيها: "بأنَّ هذه المُشكلة موجودة في أي نظام غذائي يعتمد على الدهون، ولكنَّها تظهر بصورة مُضاعفة مع النظام الكيتوني". ومن ثَمَّ يضيف: "حينما يقول لي الناس بأنَّهم يريدون أنْ يجربوا هذا النظام لأنَّ بعض معارفهم خسروا جزءً من أوزانهم بعد أنْ اعتمدوا عليه كحمية غذائية، أخبرهم حينها بضرورة مراقبتهم حتى النهاية، لأنَّهم سوف يكسبون ما خسروه من وزن مرةً ثانيةً".

وهذه النوعية من التأرجُّح المستمر في الوزن (خسارة ثُمَّ زيادة ثُمَّ خسارة ثُمَّ زيادة وهكذا دواليك) قادرة على ادخال الشخص فيما يُطلَق عليه بالأكل غير المنتظم (disordered eating) - كما تقول كريستن كيزر - وأنَّه قد يؤدِّي أيضًا إلى تقلِّيل جودة العلاقة القائمة بين الشخص والغذاء (المعدود في أساسه غذاءً غير صحي في هذا النظام). وتضيف على ذلك أيضًا: "أعتقد بأنَّ نظام الكيتو يعجب الناس الذين لا يستطيعون التحكُّم في كميات الأطعمة التي يأكلونها والذين دائمًا ما يسرفون في أكلهم، حيث إنَّه (في الكثير من الحالات)، نجد أنَّ ما يحتاجونه فعلًا هو رقابة على نظام حياتهم من قبل شخص متخصّص أو استشاري محترف من أجل مساعدتهم على الوصول إلى فهم أعماق هذه المسائل".

سادسًا، تدنِّي الكتلة العضلية وزيادة العمليات الأيضية

ما يحمله عنوان هذا المحور هو نتيجة أُخرى للتغير في الوزن الناتج من نظام الكيتو، بل إنَّها إحدى النقاط المهمة للغاية الواجب معرفتها قبل الاندفاع وراء هذا النظام، حيث تقول كريستن كيزر: "بأنَّ خسارة الكتلة العضلية أمر متوقَّع عند الاعتماد على نظام غذائي كمية الدهون فيه أكثر من البروتين". وتقول أيضًا: "سوف تخسر وزنًا، ولكنَّ الكثير منه – كما يظهر – قد يكون واقعًا عبارة عن كتلة عضلية"، ومن ثَمَّ تقول: "ولأنَّ العضلات تحرق سعرات حرارية أكثر من الدهون، فإنَّه عند خسارة العضلات جراء اتباع هذا النظام، فسوف يتأثّر حينها أيض جسمك ولن تستطيع بعدها حرق كميات مُماثلة من السعرات الحرارية". وفي هذا المقام بيَّنا سابقًا في مقطع مصوّرالدور الذي تلعبه العضلات في حرق الدهون.

وحينما يتوقّف الشخص عن الكيتوجينك دايت ويكسب الكثير من وزنه الذي خسره، فإنَّ هذا الوزن لن يكون بنفس التوزِّيع السابق (كما تقول كريستن كيزر). فبدلًا من اكتساب عضلات صافية، فسوف يكون الكسب عبارة عن دهون. ومن بعد ذلك تُضيف قائلةً: "لقد رجعت الآن إلى وزنك الأوَّلي الذي كنت عليه، ولكنَّك لا تملك كتلة عضلية قادرة على حرق السعرات الحرارية بنفس المعدل السابق الذي كنت عليه قبل البدء في نظام الكيتو، وهو الأمر الذي قد تتولّد عنه آثار جانبية ترتبط بمعدل أيض جسمك، وستبقى هذه الآثار فيما بعد متجذّرة ومستمرة لديك، ومن هنا ستُدخِل جسمك في دهاليز مظلمة من الصعب الخروج منها".

ولقد أكَّدت ليسا سيمبرمان (Lisa Cimperman) - المتخصّصة في التغذية الإكلينيكية في مستشفى جامعة المركز الطبي في كليفلاند (University Hospitals Case Medical Center in Cleveland) في ولاية أوهايو والمتحدثة باسم أكاديمية الغذاء وأخصائي التغذية - على هذا الأمر بالقول: "عندما يدخل جسمك المرحلة الكيتونية، تبدأ حينها أيضًا بفقد كتلة عضلية، وتصبح بسببها مجهدًا جدًا، وعاجلًا أو أجلًا ستدخل في مرحلة الجوع؛ ومن بعدها يصبح الأمر أكثر صعوبةً عليك في حال أردت مرةً ثانيةً أنْ تخسر الزائد من وزنك".

سابعًا: زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكر

يقول جوش إكس: "حينما يتم اتباع نظام الكيتو بشكل صحيح (لأغراض علاجية مدروسة ومُقيَّدة)، فإنَّه يجب أنْ يحتوي على المزيد من الخضروات والمصادر النباتية الصافية من البروتينات". وبعبارة أُخرى، فإنَّه لا يُوجَد عذر يدفع الشخص لأكل الزبدة واللحم بكميات كبيرة وبشكل مستمر، وهو ما يفعله (للأسف الشديد) عمومًا أتباع هذا النظام.

ولهذا السبب، فإنَّ الكثير من العقلانيين في الجانب الطبي والمتخصّصين في الدوائر ذات العلاقة يقلقون على الأشخاص الذين يتبعون هذا النظام الكيتوني، خصوصًا أولئك الذين لا يُوجَد عليهم إشراف حقيقي يتضمّن فحصهم بصورة مستمرة ومتابعة حالتهم الصحية على نحو دقيق.

ومن ضمن هؤلاء الذين يؤكّدون على هذه الحقيقة (كمثال وليس للحصر): فرانسين بلينتن (المذكورة في الفقرات السابقة)، حيث تؤكِّد على أنَّها لا تحبب استخدام هذا النظام إلَّا مع الحالات الصعبة جدًا، وذلك لأنَّ أضراره أكثر من فوائده وأنَّه قد يضر القلب الذي يُعدّ عضلة أيضًا تنبض بشكل مستمر (كما تقول). حيث لاحظت - بعد أنْ طبّقته على مجموعة من المرضى في حالات خاصة - بأنَّ ضرره عمومًا مع غالبيتهم كان أكثر من نفعه، خصوصًا حينما تكون لديهم مشاكل في الكليتين أو الكبد. وتضيف على ذلك ما مفاده أنَّه عندما يتم استخدامه كوسيلة تجميلية تهدف لإنزال الوزن فقط، ينسى الكثير من الناس بأنَّه نظام قد يُشكِّل خطر على صحتهم.

وعموم المتخصصين في الدوائر الصحية يؤكِّدون أيضًا على أنَّ النظام الذي يتضمَّن غذاءً مرتفع الدهون الحيوانية (مثل نظام الكيتو) يتسبب عادةً في رفع مستويات الكوليسترول بسبب ارتفاع الدهون المشبعة في وجباته التي تتداخل مع عمل الكبد فتحفّزها على انتاج كميات أكبر من الكوليسترول، حيث إنَّ نتائج بعض الدراسات تُبيِّن أنَّ هذا النظام الغذائي يزيد من مخاطر الإصابة بالسكر (8). 
ليس هذا فحسب، بل إنَّه في دراسة واسعة (Meta-analysis) لـ 11 بحث تم أجرؤاها على 1369 شخصًا، أوضحت نتائجها بأنَّ الأنظمة الغذائية متدنية الكربوهيدرات تنزل الوزن لكنَّها ترفع مستويات الـ (LDL) أو ما يُسمَّى بالكوليسترول السيء (3). وعلى هذا الأساس، يُسمِّيه بعضهم بِـ "كابوس أطباء القلب" (cardiologist’s nightmare)، كما تُفيد بذلك آمندا ماكميلان (Amanda MacMillan) في تقريرها على موقع الصحة (Health) المنشور في التاسع والعشرين من آب عام 2018م.

وفي العام الماضي، عُرِِضت دراسة في مؤتمر الجمعية الأوروبية للقلب (European Society of Cardiology Congress) في ألمانيا - تم أجراؤها على 25 ألف شخصًا - أوضحت بأنَّ الأشخاص الذين ينتهجون في وجباتهم أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات معرّضون (بمعدلات عالية مقارنةً بغيرهم) لخطر: الموت بسبب السرطان، والإصابة بأمراض الأوعية الدموية والقلب، بل وكذلك لخطر الإصابة بأمراض مزمنة أو مستعصية تنهك البدن (9).

وهنا يجب أنْ نلتفت إلى أنَّ هناك مخاطر تتعلق بموضوع تغيير الطريقة الأيضية التي تقوم بها أجسامنا عند إنتاج الطاقة. فالغذاء الغني بالكربوهيدرات المكررة الصناعية يرتبط بعدم التوازن الغذائي التي تشمل مرض الكبد الدهنية (NAFLD) الذي يُصاحب مرض السكر من النوع الثاني والسمنة (4). وفقد الوزن في حال كان الشخص يعاني من هذه الأمراض يُعدُّ عمومًا مفيد. إلَّا إنَّ استبدال الكربوهيدرات بالدهون المشبعة قد ينتج عنه ضرر. فبعض الدهون ترفع الكوليسترول، وهو الأمر الذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب (5). فإحدى الدراسات وجدت بأنَّ الحميات التي تتضمَّن كربوهيدرات مرتفعة أو منخفضة بها أعلى معدلات وفاة (6). وهذا يعني بأنَّ الحصول على الكربوهيدرات بمعدلات متوسطة هو الحل المثالي لصحة جيدة.

وفي دراسة أُخرى، تم نشرها أيضًا في عام 2018م في مجلة اللانست (the Lancet)، بيَّنت نتائجها بأنَّ الأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات ومرتفعة في كمية لحوم الحيوانات (أي المتطابقة مع نظام الكيتو) معرّضون لخطر الموت المُبِّكر مقارنةً بأولئك الذين يستهلكون كميات متوسطة من الكربوهيدرات (10). ومع العلم بكل هذا، فإنَّ العكس كان صحيحًا بالنسبة للأشخاص الذين كانوا يتبعون أنظمة غذائية مُتدنِّية الكربوهيدرات ولكنَّهم يفضلون البروتينات النباتية على الحيوانية.

وتقول ميليسا بيلي (المُشار لها في الفقرات السابقة): "بأنَّها تعرف الكثير من الناس الذين يتبعون الكيتو دايت، من الذين لا يأكلون سوى لحم الخنزير والأطعمة المعالجة، وهي أطعمة مليئة بالصوديوم والدهون المشبعة التي تُشكِّل خطرًا حقيقيًا على صحة القلب". وتضيف على ذلك أيضًا ما مفاده: "بأنَّه لا تُوجَد دراسات تبيِّن المخاطر الحقيقية لهذا النظام على الصحة على المدى البعيد". ومن هنا، هي لا تنصح بهذا النظام الغذائي من أجل خسارة الوزن أو لأي سبب أخر على وجه الإطلاق حتى لو كان مؤقتًا!

بل إنَّه في إحدى الدراسات الواسعة الحديثة على موضوع الدهون المشبعة والتي تم نشرها في مجلة (BMJ)، تمت الإشارة إلى أنَّ الذين يأكلون دهون مشبعة بشكل أكبر، هم أكثر عرضة للشكوى من مرض انسداد الشريان التاجي من أولئك الذين وجباتهم أقل في محتوها الدهني المشبع، حيث بلغ الفرق في النسبة حدود الـ 18%.

ليس هذا فحسب، بل إنَّ التوصيات الغذائية في الولايات المتحدة (The U.S. dietary guidelines) الحديثة توكِّد على ضرورة التحكُّم في معدل الدهون المشبعة وإبقائها في حدود لا تتجاوز 10% من السعرات اليومية، وهو ما لا يحدث قطعًا في نظام الكيتو.

ويقول الدكتور جوش إكس: "سواء كنت في معسكر النظام الغذائي الطبيعي أو في معسكر الكيتو أو في معسكر النباتيين، فإنَّ الجميع يتفقون بأنَّنا نريد أنْ نحصل على نظام غذائي متكامل؛ يتضمَّن الكثير من الخضراوات والأعشاب والبهارات النافعة والمصادر الدهنية والبروتينية المتنوّعة المتضمِّنة بروتينات النباتات أيضًا". ويضيف على ذلك: "وفي حال لم تقم بهذا الأمر، فإنَّك ستساعد الأمراض على استعمار بدنك، وهي معادلة بسيطة للغاية ولا تحتاج للكثير من التفكير"، وهذا صحيح حتى لو خسرت وزنًا في البداية. ومن ثم يقول: "وفي حال قرّرت أنْ تُجرِّب نظام التغذية الذي يحتوي الدهون واللحوم بكميات كبيرة فقط (أي فقط من باب التجربة)، فإنَّ نصيحتي لك ستدور في فضاء ضرورة الابتعاد عن نظام الكيتو بشكل نهائي" (12)، وهي الإشارة التي تعني (في حال تأملنا فيها) بأنَّ هذا النظام ليس نظامًا عابرًا بل نظامًا تحوليًا".

وتصف الأمريكية جيليان مايكلز (Jillian Michaels) – التي تظهر في البرنامج التلفزيوني الحواري (The Doctors) – نظام الكيتو بِـ: "النظام السيء". ومن ثَمَّ تستفسر مستنكرة: لا أستطيع استيعاب لماذا يعتقد البعض بأنَّ هذه الفكرة جيدة؟ حيث جاء هذا في عنوان المقال الذي وضعته جولي مازوتا (Julie Mazziotta) في العاشر من كانون الثاني لعام 2019م والذي تم وصفه بالصفعة التي وجهتها جيليان مايكلز لكامل النظام! ولقد ذكرت أيضًا (في فيديو مُسجَّل) بأنَّ هذا النظام يحرم الجسم البشري من الكثير من العناصر المهمة للخلايا، وأنَّ هناك ملايين الأسباب التي تدفع كل عاقل لأنْ يبتعد عنه، من أهمها أنَّ خلايانا مكوّنة من تراكيب جزيئية عناوينها الرئيسة: الكربوهيدرات والبروتينات والأحماض الأمينية والدهون وغيرها من تراكيب، وأنَّ أي حرمان لأي من هذه المجموعات بسبب تدني مستواها سيعني حرمان الخلايا وتجوِّيعها والإضرار بصحتها. وفي نهاية كلامها، أكَّدت على ضرورة الابتعاد عن السكريات والحبوب الصناعية المكرَّرة والاعتماد على الغذاء الصحي المتكامل وعدم التفكير فيما يُطلَق عليه بِـ الكيتو دايت، حيث تقول: "ابتعد عن الكيتو دايت! وتذكر بأنَّ الغذاء المتوازن هو المفتاح (وهو أمر بديهي)".

والأمر لا يتوقَّف فقط على جيليان مايكلز، بل إنَّ نفس الموقف قد صدر من غيرها أيضًا (من مدرّبين محترفين وأخصائي تغذية إكلينيكيين).

وفي هذا الشأن أشير (في نهاية المطاف) إلى عدد من هذه الشخصيات المعروفة إعلاميًا في العالم الغربي من الذين أبدوا رأيهم في هذا النظام بعد أنْ خاضوا تجربته وفهموا مفاصله على أرض الواقع: -
  • ويتني كارسون (Witney Carson): "لقد جربت نظام الكيتو، ولقد خسرت بعضًا من وزني، ولكن جلدي بدأ يتشقَّق، وأصابتني أكزيما مؤلمة، وهو السبب الذي جعلني أبتعد عنه".
  • ودنت ماي (Danette May): "بأنَّ نظام الكيتو يجوّع الجسم ولا يعلِّمك كيف تغذَي جسمك بالعناصر المهمة، وبدلًا من الاعتماد على مثل هذه الأنظمة ركز على أكل الكثير من الأغذية الصحية الغنية بالعناصر الأساسية للجسم مع إضافة التمارين الرياضية التي تحسن من نمط حياتك".
  • أبي شارب (Abbey Sharp)، الأخصائية الغذائية وصاحبة كتاب البريق العقلاني (The Mindful Glow Cookbook): "إنَّ الكربوهيدرات تجعل دم الحياة في أجسامنا قادر على العمل؛ وأنَّ أجسامنا تحتاجها من أجل أنْ تكون فعّالة، ومُحفِّزة لنمو العضلات، ومن أجل جعلنا نتحمل التعب أثناء الرياضة وأثناء الأعمال الشاقة، واعطائنا الطاقة على مدار اليوم".
  • سينثيا ساس (Cynthia Sass)، الأخصائية الغذائية التي جرّبت هذا النظام الغذائي: وجدت بأنَّه لا يناسبها ولا يناسب عملائها. وتضيف على ذلك ما مفاده: إنَّ بعض عملائها جربوا هذا النظام الغذائي وفقدوا بعضًا من وزنهم وشعروا بالتحسُّن في البداية، ولكنَّهم سرعان ما فقدوا صبرهم وتراجعوا بسبب عدم تحملهم.
  • جولي أبتون (Julie Upton): تؤكِّد على أنَّه من الصعب المواصلة على مثل هذه الأنظمة السيئة، وأنَّها تزيد من خطورة الإضرار بالقلب كونها تحتوي على دهون مشبعة بكمية كبيرة. 
ويكفي هنا أنْ نرجع إلى ما جاء في حكم المايو كلينيك (Mayo Clinic) على الكيتو دايت، حيث ذكرتْ فيه: "إذا كان الكيتو منصوح دايت به لبعض مرضى الصرع الشديد، فإن المحتوى الدهني العالي (سيما النسب المرتفعة من الدهون المشبعة) وأيضا الكميات المتدنية من الفواكه (الغنية بالعناصر المفيدة) والخضراوات والحبوب سيكون مقلق على صحة القلب على المدى البعيد"." (11).

والخُلاصة هي أنَّه عندما يكون فقدان الوزن بشكل سريع أمر مشجع، فإنَّه من المهم أنْ نأخذ بعين الاعتبار كل من الفوائد الصحية والمخاطر المحتملة لأي حمية. ومن هنا، فإنَّ النجاح الطويل المدى سيكون موجود في الحمية المتوازنة صحيًا والمحتوية على المجموعات الثلاث بطريقة ممنهجة، والتي تقل فيها مستويات الكربوهيدرات الصناعية المكررة والأغذية المعلبة بعد استبدالهم بالفواكه الطازجة الخضروات والبروتين الخالص والتي يتم تعزيزها بالتمارين الرياضية.



----------------------------------------------------------------
(1) Fine Eugene J, Feinman Richard D. Thermodynamics of weight loss diets. Nutrition & metabolism. 2004;1(1):15-15. doi:10.1186/1743-7075-1-15

(2) Neal EG, Chaffe H, Schwartz RH, et al. The ketogenic diet for the treatment of childhood epilepsy: a randomised controlled trial. The lancet neurology. 2008;7(6):500-506. doi:10.1016/S1474-4422(08)70092-9

(3) Mansoor N, Vinknes KJ, Veierød MB, Retterstøl K. Effects of low-carbohydrate diets v. low-fat diets on body weight and cardiovascular risk factors: a meta-analysis of randomised controlled trials. The british journal of nutrition. 2016;115(3):466-479. doi:10.1017/S0007114515004699

(4) Asrih M, Jornayvaz FR. Diets and nonalcoholic fatty liver disease: the good and the bad. Clinical nutrition. 2014;33(2):186-190. doi:10.1016/j.clnu.2013.11.003 

(5) Peters SAE, Singhateh Y, Mackay D, Huxley RR, Woodward M. Total cholesterol as a risk factor for coronary heart disease and stroke in women compared with men: a systematic review and meta-analysis. Atherosclerosis. 2016;248:123-131. doi:10.1016/j.atherosclerosis.2016.03.016 

(6) Seidelmann SB, Claggett B, Cheng S, et al. Dietary carbohydrate intake and mortality: a prospective cohort study and meta-analysis. The lancet public health. 2018;3(9):428. doi:10.1016/S2468-2667(18)30135-X 

(7) Louise von Geijer and Magnus Ekelun. Ketoacidosis associated with low-carbohydrate diet in a non-diabetic lactating woman: a case report. J Med Case Rep. 2015; 9: 224.
Published online 2015 Oct 1. doi: 10.1186/s13256-015-0709-2

(8) Ketogenic diets may lead to an increased risk of type 2 diabetes. THE PHYSIOLOGICAL SOCIETY. PUBLIC RELEASE: 8-AUG-2018

(9) Caution against cutting down on carbohydrates. European Society of Cardiology(ESC) Congress News 2018 - Munich, Germany. 28 Aug 2018

(10) Sara B Seidelmann, Brian Claggett, Susan Cheng, Mir Henglin, Amil Shah, Lyn M Steffen, et al. Dietary carbohydrate intake and mortality: a prospective cohort study and meta-analysis. The Lancet. VOLUME 3, ISSUE 9, PE419-E428, SEPTEMBER 01, 2018. DOI:https://doi.org/10.1016/S2468-2667(18)30135-X

(11) Mayo's Verdict: "While the ketogenic diet may be recommended for some people with uncontrolled epilepsy, the high fat content — and especially the high level of unhealthy saturated fat — combined with limits on nutrient-rich fruits, veggies and grains is a concern for long-term heart health".

(12) Josh Axe syas: "Whether you’re in the paleo camp or the keto camp or the vegan camp, everyone agrees that we want to have a nutrient-rich diet". Axe added also: "Lots of vegetables, herbs, spices, and plant-based sources of fat and protein, too". Then says: "If you’re not doing that, you’re promoting disease in the body—it’s that simple". (And yes, that’s true even if you still lose weight in the beginning.) "If you’re just going to eat butter and bacon", he adds, "I’d rather you not do the keto diet at all". https://www.health.com/weight-loss/keto-diet-side-effects
----------------------------------------------------------------
مواضيع ذات صلة: -
ديسمبر 31, 2019
قراءة المزيد
 
جميع الحقوق محفوظة لمدونة بُرْهَـــــــــــــــــــــــــــــــــان © 2009 مدونة معرفية تُعنى بالبحث والتحقيق العلمي، وتقديم المحتوى الرصين المبني على الدليل