الدكتور / محمد آل محروس
الجمعة، 4 سبتمبر 2026

«اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه»… هل يمكن أن يصبح المعروف قيدًا نفسيًا؟

«اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه» مقولة متداولة تستوقف السامع بما تنطوي عليه من مفارقة؛ فالمعروف، في صورته الطبيعية، يُفترَض أن يورِّث الامتنان، وأن يُقابَل بالإحسان أو على الأقل بحفظ الجميل. ولعل هذا ما دفعني إلى التأمل في هذه العبارة والبحث عن المعنى الذي جعلها تتردد طويلًا في الذاكرة الشعبية.

ولا أرى أن من الإنصاف أن نأخذها على ظاهرها أو نجعلها قاعدة في العلاقات الإنسانية؛ فكثير من الناس يزدادون وفاءً لمن وقف معهم، ويحفظون المعروف وإن مضت عليه السنون. ولعل المعنى الأعمق للمقولة ليس: احذر ممن أحسنت إليه، وإنما: لا تفترض أن إحسانك إلى إنسان يضمن بالضرورة وفاءه لك.

فالإنسان حين يتلقى معروفًا، ولا سيما إذا كان كبيرًا أو جاء في لحظة ضعف أو حاجة، قد لا يشعر بالامتنان (Gratitude) وحده. 

وتشير دراسات علم النفس إلى أن تلقي المساعدة قد يصاحبه شعور آخر هو المديونية النفسية (Indebtedness)؛ أي الإحساس بأن هناك جميلًا ينبغي رده، وأن توازن العلاقة قد اختلّ إلى حدٍّ ما. وقد وصف بعض الباحثين هذه التجربة بأنها «نعمة مختلطة» (Mixed Blessing)؛ لأن الامتنان قد يتجاور فيها مع مشاعر أقل راحة تتصل بالالتزام ورد الجميل (دراسة Peng وزملائه).

لكن الصورة النفسية قد تكون أعمق من مجرد الشعور بالدَّين. ففي علم النفس الاجتماعي تشير دراسات تهديد تقدير الذات (Threat to Self-Esteem) إلى أن المساعدة قد تحمل، في بعض الظروف، معنى غير مريح لمتلقيها؛ إذ قد تذكّره بأنه لم يكن قادرًا على تجاوز الموقف بمفرده، أو بأن شخصًا آخر كان في موضع أكثر قدرة منه.

وهنا ربما تبدأ المفارقة الحقيقية. فالمعروف الذي يقول في ظاهره: «لقد وقفت إلى جانبك»، قد يحمل في نفس المتلقي، من غير قصد من صاحبه، معنى آخر: «لقد احتجتَ إليّ». وبين المعنيين مساحة نفسية واسعة قد تتداخل فيها مشاعر الامتنان مع المديونية والحرج والمقارنة، وربما الغيرة أو الحسد لدى بعض الأشخاص.

وقد يكون السؤال الكامن في النفس، بوعي أو من دونه: لماذا كنتُ أنا الآخذ وأنت المعطي؟ لماذا كنتُ أنا المحتاج وأنت القادر؟ وهل أستطيع يومًا أن أرد لك ما فعلت؟ وكلما كان المعروف كبيرًا أو عسير الرد، أصبح الشعور بعدم التكافؤ أكثر حضورًا.

وتزداد هذه الفكرة أهمية مع ما أظهرته بعض الدراسات عن العلاقة بين تلقي المساعدة والمكانة الاجتماعية. ففي دراسة حملت عنوانًا لافتًا هو (Biting the Hand that Feeds)، وجد الباحثون، عبر أربع دراسات، أن تلقي المساعدة من شخص يُنظر إليه على أنه أكثر كفاءة قد يثير لدى بعض المتلقين تهديدًا للمكانة (Status Threat) والحسد (Envy)، وأن هذه المشاعر ارتبطت، في ظروف معينة، بسلوك سلبي تجاه مقدم المساعدة. وكانت هذه العلاقة أوضح لدى الأشخاص الأكثر اهتمامًا بالمكانة والمقارنة مع الآخرين (دراسة Biting the Hand that Feeds على PubMed).

وهذا لا يعني أن الإحسان يولّد الحسد، ولا أن المديونية تنتهي بالعداء. فالأدق نفسيًا أن نتحدث عن مزيج من المشاعر يختلف من شخص إلى آخر. فقد يغلب الامتنان على ما سواه فيزداد الإنسان وفاءً، بينما قد يمتزج عند آخر بالمديونية أو الحرج أو المقارنة وتهديد المكانة. وهنا تتدخل طبيعة الإنسان وسماته الشخصية في الطريقة التي يفهم بها هذه المشاعر ويتعامل معها.

وقد يصبح صاحب المعروف، من حيث لا يقصد، شاهدًا على مرحلة كان فيها الآخر محتاجًا أو أقل قدرة. وربما يفسر ذلك، في بعض الحالات، محاولة التقليل من قيمة المعروف، أو إعادة تفسير نية صاحبه، أو إبقائه على مسافة منه، دون الرغبة في خسارته تمامًا. وفي الحالات الأكثر سلبية قد يتحول الانزعاج إلى موقف عدائي؛ لا لأن الإحسان يصنع العداوة، وإنما لأن الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الإحسان قد تتداخل مع جوانب أخرى في نفسه وشخصيته.

ومن هنا تبدو عبارة «اتق شر من أحسنت إليه»، إذا أُخذت حرفيًا، قاسية ومبالغًا فيها. لكنها تصبح أكثر قابلية للفهم إذا قرأناها كتذكير بأن المعروف لا يمنح صاحبه ضمانًا على مشاعر الآخرين أو وفائهم؛ فالناس لا يستقبلون الإحسان بالطريقة ذاتها، فما يوقظ الامتنان في نفسٍ، قد يوقظ في أخرى شعورًا بالمديونية أو المقارنة أو اختلال التوازن.

ولعل بيت الشعر القديم يلخص جانبًا من هذه الفكرة: «ومن يصنعِ المعروفَ في غيرِ أهلِهِ، يلاقِ الذي لاقى مُجيرُ أمِّ عامرِ».

وليس في ذلك ما يدعونا إلى التردد في فعل الخير، بل ربما العكس. أحسن لأن الإحسان يعبر عن قيمك، لا لأنك تشتري به ولاء الآخرين. فالإحسان لا يصنع طبائع الناس بقدر ما قد يكشفها؛ فقد يزيد إنسانًا وفاءً، بينما قد يوقظ لدى آخر شعورًا بالمديونية أو المقارنة أو تهديد المكانة.

فالمعروف قد يكون عند إنسان جميلًا لا يُنسى، وعند آخر قيدًا نفسيًا لا يعرف كيف يتجاوزه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونة بُرْهَـــــــــــــــــــــــــــــــــان © 2009 مدونة معرفية تُعنى بالبحث والتحقيق العلمي، وتقديم المحتوى الرصين المبني على الدليل