الدكتور / محمد آل محروس
الأحد، 30 أغسطس 2026

هل ضرب باطن المرفق يمكن أن ينقذك من الجلطة أو اضطراب ضربات القلب؟

تنتشر بين فترة وأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع تقدم طرقًا بسيطة يقال إنها قد تنقذ حياة الإنسان في الحالات الطارئة. ومن المقاطع المتداولة مؤخرًا مقطع ينصح بالضرب أو التربيت المتكرر على المنطقة الداخلية من المرفق (ثنية الكوع) عند الشعور بضيق في التنفس أو تسارع في ضربات القلب، بل ويشير إلى إمكانية استخدامها لإسعاف شخص يعاني من مشكلة قلبية.

لكن هل لهذا الإجراء أساس علمي فعلًا؟

الإجابة المختصرة: لا توجد أدلة طبية موثوقة تثبت أن ضرب باطن المرفق يعالج الجلطة القلبية، أو يفتح الشرايين التاجية، أو يعالج اضطراب ضربات القلب، أو يمثل بديلًا عن الإسعافات الطبية المعتمدة.

والأخطر من عدم فعالية هذه الطريقة هو أن الاعتماد عليها قد يؤدي إلى تأخير طلب الإسعاف في حالة تكون فيها الدقائق مهمة جدًا.

من أين جاءت الفكرة؟

المنطقة التي يشير إليها المقطع تسمى تشريحيًا الحفرة المرفقية Antecubital Fossa، وتمر فيها أوعية دموية وأعصاب مهمة.

لكن وجود أوعية دموية في هذه المنطقة لا يعني أن الطرق عليها يمكن أن يؤثر في انسداد شرايين القلب.

بعض المقاطع التي تروج لهذه الممارسة تربطها بمفاهيم من الطب الصيني التقليدي مثل تحريك Qi أو إزالة ما يوصف بـ«ركود الدم» أو تراكم «الحرارة والسموم».

هذه المفاهيم لا تعادل المفاهيم الفسيولوجية المستخدمة في طب القلب الحديث. وتشير مراجعات المركز الوطني الأمريكي للصحة التكميلية والتكاملية (NCCIH) إلى أن بعض ممارسات الطب الصيني التقليدي دُرست علميًا وقد تكون لبعضها فوائد في حالات محددة، خصوصًا بعض حالات الألم، لكن ذلك لا يعني أن جميع الممارسات التقليدية مثبتة الفعالية، ولا ينبغي استخدامها لتأخير الرعاية الطبية التقليدية.

ماذا يحدث بالفعل أثناء الجلطة القلبية؟

الجلطة القلبية Myocardial Infarction تحدث غالبًا عندما ينخفض أو ينقطع وصول الدم إلى جزء من عضلة القلب بسبب انسداد أحد الشرايين التاجية.

أي أن المشكلة موجودة في الشريان الذي يغذي عضلة القلب.

لذلك، من الناحية التشريحية والفسيولوجية، لا توجد آلية معروفة تجعل ضرب منطقة المرفق يزيل خثرة من أحد الشرايين التاجية أو يعيد تدفق الدم إلى عضلة القلب.

ولهذا تركز العلاجات الطبية الحقيقية للمتلازمات التاجية الحادة على التشخيص السريع واستعادة التروية والعلاج الدوائي أو التداخلي المناسب، وليس على تحفيز منطقة في الذراع.
 
وماذا عن تسارع ضربات القلب؟

الأمر مشابه هنا أيضًا.

الخفقان أو تسارع النبض Palpitations/Tachycardia ليس مرضًا واحدًا؛ فقد يحدث لأسباب بسيطة مثل القلق أو المجهود أو المنبهات، وقد ينتج في حالات أخرى عن اضطراب حقيقي في النظام الكهربائي للقلب.

وتختلف المعالجة حسب نوع اضطراب النظم وسببه.

أما ضرب باطن المرفق فليس من الإجراءات المعتمدة لعلاج اضطرابات النظم القلبية. أحدث إرشادات جمعية القلب الأمريكية للتعامل مع اضطرابات النظم الخطيرة والسكتة القلبية تتناول إجراءات مثل الإنعاش القلبي الرئوي، إزالة الرجفان، تقويم النظم الكهربائي وبعض الأدوية بحسب الحالة؛ ولا تتضمن ضرب المرفق كإجراء علاجي. 

الجلطة القلبية ليست هي توقف القلب

وهنا نقطة مهمة جدًا كثيرًا ما تختلط في مقاطع وسائل التواصل الاجتماعي.

الجلطة القلبية Heart Attack هي في الأساس مشكلة في الدورة الدموية: ينقطع أو يقل وصول الدم إلى جزء من عضلة القلب.

أما توقف القلب Cardiac Arrest فهو مشكلة كهربائية تؤدي إلى توقف القلب عن ضخ الدم بصورة فعالة، فيفقد المصاب وعيه ولا يتنفس بصورة طبيعية أو قد يصدر منه شهقات فقط.

وفي توقف القلب الحقيقي، التصرف المنقذ للحياة هو طلب الإسعاف، والبدء فورًا بالإنعاش القلبي الرئوي CPR واستخدام جهاز إزالة الرجفان الآلي AED متى كان متاحًا. 

لا ضرب الذراع، ولا تدليك المرفق، ولا أي مناورة مشابهة يمكن أن تحل محل ذلك.

لماذا قد يشعر البعض بتحسن بعد القيام بها؟

هذه نقطة تستحق التوضيح.

ليس كل شعور بضيق النفس أو الخفقان يعني وجود جلطة قلبية. فقد تكون بعض النوبات مرتبطة بالتوتر أو القلق أو فرط التنفس أو أسباب أخرى عابرة، وقد تتحسن تلقائيًا خلال دقائق.

إذا قام الشخص في الوقت نفسه بضرب ذراعه ثم تحسنت الأعراض، فمن السهل أن ينسب التحسن إلى هذا الإجراء.

لكن التزامن لا يثبت السببية.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل التجارب الشخصية ومقاطع وسائل التواصل الاجتماعي غير كافية لإثبات فعالية علاج طبي.
متى يصبح الأمر طارئًا؟

يجب التعامل بجدية مع الألم أو الضغط أو العصر في الصدر، خصوصًا إذا استمر عدة دقائق أو عاد مرة أخرى، وكذلك الألم الممتد إلى الذراع أو الظهر أو الرقبة أو الفك، وضيق النفس، والتعرق البارد، والغثيان أو الدوار. وقد تظهر الجلطة بأعراض مختلفة أو أقل وضوحًا لدى بعض الأشخاص. 

وفي مثل هذه الحالات، لا ينبغي إضاعة الوقت في تجربة طرق منتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ بل يجب طلب خدمات الطوارئ الطبية فورًا.

وإذا انهار الشخص وأصبح غير مستجيب ولا يتنفس بصورة طبيعية، فهذه حالة اشتباه في توقف القلب: يُطلب الإسعاف ويبدأ CPR فورًا ويستخدم AED إن توفر.

الخلاصة

ضرب أو التربيت على باطن المرفق قد يكون ممارسة موجودة ضمن بعض الموروثات العلاجية، ولكن:

لا توجد أدلة سريرية موثوقة تجعله علاجًا للجلطة القلبية أو اضطراب ضربات القلب، ولا توجد آلية فسيولوجية معروفة تجعل الطرق على المرفق يفتح شريانًا تاجيًا مسدودًا.

والخطر الحقيقي في مثل هذه المقاطع ليس مجرد تداول معلومة غير مثبتة، بل أن يعتقد شخص يعاني من جلطة قلبية أن لديه عدة دقائق لتجربة هذه الطريقة قبل طلب المساعدة.

في حالات القلب الطارئة، الدقائق قد تصنع الفرق.

المعلومة الصحية البسيطة قد تنقذ حياة، لكن المعلومة غير الصحيحة قد تؤخر إنقاذها.

المراجع العلمية:
American Heart Association – 2025 CPR & Emergency Cardiovascular Care Guidelines، و2025 Acute Coronary Syndromes Guideline، وNational Center for Complementary and Integrative Health (NCCIH). 

هذا المحتوى للتوعية الصحية ولا يغني عن التقييم الطبي عند وجود أعراض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونة بُرْهَـــــــــــــــــــــــــــــــــان © 2009 مدونة معرفية تُعنى بالبحث والتحقيق العلمي، وتقديم المحتوى الرصين المبني على الدليل