من أكثر المعتقدات انتشارًا في عالم الغذاء اليوم أن الدجاج “مليء بالهرمونات”، وأن نموه السريع لا يمكن تفسيره إلا بتدخلات غير طبيعية. هذه الفكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، خاصة عند مقارنة الدجاج اليوم بما كان عليه في السابق، لكنها عند مراجعتها علميًا لا تستند إلى أساس دقيق.
استخدام الهرمونات في تربية الدواجن محظور قانونيًا في معظم دول العالم، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وذلك وفق أنظمة رقابية صارمة تشرف عليها جهات تنظيمية متخصصة. لكن الأهم من الجانب العلمي أن الهرمونات، حتى لو استُخدمت نظريًا، لا تمثل وسيلة فعالة لتسريع نمو الدجاج. فهرمونات النمو ذات طبيعة بروتينية، وتتحلل في الجهاز الهضمي كما تتحلل البروتينات الغذائية، مما يمنع وصولها إلى الدم بشكل فعّال. كما أن إعطاءها يتطلب الحقن الفردي لكل طائر، وهو أمر غير عملي في مزارع تضم آلاف أو مئات الآلاف من الطيور، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها مقارنة بالعائد، مما يجعل استخدامها غير مجدٍ من الناحية الإنتاجية.
النمو السريع الذي نلاحظه في الدجاج الحديث يمكن تفسيره بالكامل من خلال التقدم العلمي في ثلاثة مجالات رئيسية. أول هذه العوامل هو التحسين الوراثي، حيث تم على مدى عقود اختيار سلالات تتميز بسرعة النمو وكفاءة تحويل الغذاء إلى لحم، وهي عملية تعتمد على الانتقاء العلمي المدروس وليست تدخلًا هرمونيًا. العامل الثاني هو التغذية المتوازنة، إذ تُصمَّم علائق الدواجن وفق احتياجات دقيقة في كل مرحلة عمرية، وتشمل مكونات مثل الذرة والصويا كمصادر للطاقة والبروتين، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن والعناصر الدقيقة التي تدعم النمو والمناعة. أما العامل الثالث فهو الإدارة البيئية، حيث يتم التحكم في درجات الحرارة والإضاءة والتهوية داخل المزارع بطريقة تقلل الإجهاد وتحسّن كفاءة النمو.
ويُستخدم أحيانًا مصطلح “العلف المحسّن” بطريقة توحي بوجود مواد غير آمنة، بينما المقصود به في الواقع هو علف مُركّب وفق معايير علمية دقيقة لتحسين الهضم والاستفادة من الغذاء. وقد يتضمن إضافات مثل الإنزيمات أو البروبيوتيك أو الأحماض العضوية، وهي مواد تُستخدم على نطاق واسع في الإنتاج الحيواني لدعم صحة الأمعاء وتقليل الحاجة إلى الأدوية، ولا تُعد مواد ضارة كما يُشاع.
أما المضادات الحيوية، فهي تمثل الجانب الأكثر حساسية في تربية الدواجن، وقد شهد استخدامها تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. في السابق، كان استخدامها أكثر انتشارًا، بما في ذلك لأغراض وقائية أو لتحسين النمو، إلا أن الحركة العالمية اليوم تتجه نحو تقليل استخدامها بشكل كبير، مع فرض تشريعات صارمة تنظم ذلك. من أهم هذه الإجراءات ما يُعرف بفترة السحب الدوائي (Withdrawal Period)، وهي المدة التي يتم فيها إيقاف الدواء قبل الذبح لضمان عدم وجود بقايا منه في اللحم. كما تُحدد الجهات التنظيمية الحدود القصوى لبقايا الأدوية (Maximum Residue Limits - MRLs)، ويتم فحص المنتجات ضمن برامج رقابية للتأكد من الالتزام بهذه الحدود، إلى جانب التوسع في استخدام بدائل مثل اللقاحات وتحسين برامج التربية والتغذية.
وبالتالي، فإن استهلاك الدجاج ضمن الأنظمة الرقابية المعتمدة لا يُعد مصدرًا ذا خطورة دوائية على الإنسان.
ورغم أن الإنتاج المنظم يخضع لرقابة عالية، إلا أن سلامة الغذاء لا تعتمد فقط على مرحلة الإنتاج، بل تمتد إلى مراحل النقل والتخزين والتحضير. وقد ترتبط بعض المخاطر بسوء الحفظ، أو عدم الالتزام بسلسلة التبريد، أو بالطهي غير الكافي الذي قد يسمح ببقاء بكتيريا مثل السالمونيلا. لذلك، فإن اختيار مصدر موثوق، والحفظ الجيد، والطهي الكامل، تظل عوامل أساسية لضمان سلامة الاستهلاك.
ومع ذلك، تبقى بعض الممارسات غير النظامية في بعض الأسواق المحدودة مصدر قلق، وهو ما يستدعي استمرار الرقابة والتوعية.
وفيما يتعلق بالدجاج “العضوي”، فإنه يُربى وفق معايير مختلفة تشمل نوع العلف وظروف التربية وتقليل استخدام المضادات الحيوية، لكنه لا يختلف عن الدجاج التقليدي من ناحية الهرمونات، لأنها ببساطة غير مستخدمة أصلًا في كلا النظامين. وبالتالي فإن الاختلاف بينهما يتعلق بأسلوب الإنتاج وليس بوجود مواد هرمونية من عدمها.
وعند جمع هذه المعطيات معًا، يتضح أن فكرة احتواء الدجاج على هرمونات هي فكرة شائعة أكثر من كونها حقيقة علمية. فالنمو السريع للدواجن يمكن تفسيره بالكامل من خلال التقدم في العلوم الزراعية، وأنظمة الرقابة الحديثة تقلل بشكل كبير من المخاطر المرتبطة بالإنتاج. وفي المقابل، يبقى التحدي الحقيقي في التمييز بين القلق المبني على أسس علمية، والمخاوف التي تتشكل نتيجة تكرار معلومات غير دقيقة.
وفي المحصلة، المشكلة ليست في الدجاج حين يكون مصدره موثوقًا، بل في المعلومات التي نتلقاها عنه دون تمحيص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق