الدكتور / محمد آل محروس
السبت، 4 يوليو 2026

الحِجامة بين الإرث الشرعي والفوضى التطبيقية: قراءة علمية نقدية


يندرج موضوع الحِجامة ضمن القضايا التي تتقاطع فيها المرجعيات الدينية مع الممارسات الصحية، وهو تقاطع يفرض—بطبيعته—مسؤولية مضاعفة في الفهم والتطبيق. فمن جهة، نجد أن الحِجامة حاضرة في عدد من الروايات الواردة عن النبي محمد ﷺ، وهو ما يمنحها مكانة خاصة في الوعي الإسلامي. ومن جهة أخرى، فإن انتقالها من إطارها النصي إلى حيز التطبيق المعاصر يطرح جملة من التساؤلات التي لا يمكن تجاوزها دون تمحيص علمي ومنهجي دقيق.

إن الإيمان بما ورد في النصوص لا يُغني عن ضرورة فهم آليات التطبيق، ولا يعفي من مساءلة الواقع حين ينحرف عن الأصول أو يغيب عنه الضبط. بل إن هذا الإيمان ذاته يقتضي مزيدًا من التحري، لا سيما حين يتحول المفهوم إلى ممارسة مفتوحة بلا معايير، تُمارَس تحت عناوين دينية دون سند علمي أو إشراف مؤسسي.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الحِجامة—بشقيها الجاف والرطب—قد شهدت في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا من ممارسة تقليدية محدودة إلى نشاط تجاري واسع، يُمارَس في كثير من الأحيان خارج أي إطار تنظيمي واضح. هذا الاتساع لم يصاحبه، للأسف، بناء معايير موحدة أو بروتوكولات تطبيقية معتمدة، بل أصبح المشهد أقرب إلى “سوق مفتوحة”، تختلف فيها الممارسات من شخص لآخر، دون مرجعية علمية تضبطها أو مؤسسة تشرف عليها.

ومن أبرز الإشكاليات في هذا الواقع، غياب التقييم الطبي الحقيقي للحالات. فالكثير ممن يمارسون الحِجامة ليسوا من المختصين في المجال الصحي، ولا يمتلكون القدرة على تقدير الحالات المرضية التي قد تشكل مانعًا أو خطرًا عند إجراء مثل هذه التدخلات، كمرضى السكري، واضطرابات النزف، وضعف المناعة، والأمراض المعدية. وما يُمارس أحيانًا من إجراءات شكلية—كقياس الضغط أو ارتداء المعاطف الطبية—لا يرقى إلى مستوى التقييم الإكلينيكي، بل يظل في إطار المظهر لا الجوهر.

ولا يقف الأمر عند حدود التقييم، بل يمتد إلى النتائج والمضاعفات. فقد لوحظت حالات لآثار جلدية غير مرغوبة، تتراوح بين تصبغات دائمة وتشوهات شبيهة بالحروق، نتيجة تطبيقات عشوائية تفتقر إلى الفهم الدقيق لآليات جرح الأنسجة أو سحب الدم. كما أن احتمالية حدوث التهابات ميكروبية تظل قائمة، خصوصًا في ظل غياب الالتزام الصارم بمعايير التعقيم.

وهنا تبرز قضية أكثر خطورة، وهي معايير مكافحة العدوى. فالإجراءات التي تتضمن اختراق الجلد وسحب الدم تُعد—بحسب التصنيف الطبي—من الإجراءات التي تستوجب أعلى درجات الحذر، نظرًا لإمكانية نقل أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الفيروسي أو فيروس نقص المناعة. ومع ذلك، فإن كثيرًا من الممارسات القائمة لا تتضمن فحوصات مسبقة، ولا تلتزم ببروتوكولات التخلص الآمن من النفايات الطبية، مما يفتح الباب لمخاطر صحية وبيئية لا يُستهان بها.

ومن الجوانب التي تستدعي الوقوف، أيضًا، الخطاب المصاحب للحِجامة في بعض المنصات، حيث يتم تضخيم فوائدها وربطها بعلاج أمراض معقدة، كالأورام، دون وجود دليل إكلينيكي راسخ يدعم هذا الطرح. وهذا النوع من التعميم لا يتعارض فقط مع المنهج العلمي، بل قد يؤدي إلى تضليل المرضى وصرفهم عن مسارات علاجية مثبتة.

كما أن بعض المفاهيم المتداولة، مثل توصيف الدم الخارج بأنه “دم فاسد”، لا تستند إلى أساس علمي. فالدم الداكن هو دم وريدي طبيعي محمّل بثاني أكسيد الكربون، أما التخثر فهو نتيجة تعرض الدم للهواء، وليس دلالة على “فساد” كما يُشاع. إن إعادة إنتاج هذه المفاهيم دون تصحيحها يكرّس فهمًا خاطئًا للفيزيولوجيا البشرية.

وفي مقابل الادعاء بأن الحِجامة “تنشط الدورة الدموية”، يجدر التنبيه إلى أن هذا التأثير—إن وُجد—يمكن تحقيقه بوسائل أكثر أمانًا وثباتًا، كالنشاط البدني الموجّه، والذي يتمتع بأدلة علمية واسعة تدعم فعاليته.

وعند مراجعة الأدبيات العلمية، يتضح أن الدراسات المتعلقة بالحِجامة لا تزال محدودة من حيث الجودة المنهجية، وغالبًا ما تشير نتائجها إلى احتمالية وجود فوائد في حالات محددة فقط، مع تأكيد واضح على الحاجة إلى مزيد من الدراسات المحكمة ذات التصميم الصارم. كما أن بعض الدراسات المقارنة لم تُظهر تفوقًا جوهريًا للحِجامة على بدائل علاجية أخرى، كالعلاج الطبيعي.

وفي ضوء هذا المشهد، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن التوفيق بين احترام الموروث الديني، وبين ضمان السلامة الطبية؟ الإجابة لا تكمن في الرفض المطلق ولا في القبول غير المشروط، بل في إعادة ضبط الممارسة ضمن إطار علمي واضح، يخضع للمعايير الطبية، ويُمارَس تحت إشراف مختصين مؤهلين.

ومن هنا، يمكن طرح بدائل أكثر أمانًا في بعض السياقات، مثل التبرع بالدم، الذي يتم ضمن منظومة طبية منظمة، ويحقق فائدة مزدوجة للمتبرع والمتلقي، دون المخاطر المرتبطة بالممارسات العشوائية. كما أن اشتراط اللياقة الصحية للتبرع يُعد معيارًا منطقيًا يمكن القياس عليه في تقييم أهلية الأفراد لمثل هذه الإجراءات.

خلاصة القول أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الحِجامة ذاته، بل في الطريقة التي تُمارَس بها في الواقع المعاصر. فبين نصٍ يُحترم، وعلمٍ يُحتكم إليه، وممارسةٍ تحتاج إلى ضبط، تبقى المسؤولية قائمة في عدم تسليم الجسد—وهو أمانة—لممارسات غير منضبطة، مهما كانت مبرراتها.

وهنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل ما يُمارَس اليوم تحت اسم الحِجامة يعكس فهمًا واعيًا للنص، أم أنه مجرد ممارسة فقدت بوصلتها بين الدين والعلم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونة بُرْهَـــــــــــــــــــــــــــــــــان © 2009 مدونة معرفية تُعنى بالبحث والتحقيق العلمي، وتقديم المحتوى الرصين المبني على الدليل