Sunday, 5 February 2017
February 05, 2017

الإصابة بالعين.. حقيقة علمية أم خُرافة؟



الحديث عن "الإصابة بالعين" وتأثيرها على ما حولها (من أحياء وجماد) هو من الأمور التي لا نستطيع اثباتها علميًا بالدليل المادي المباشر، حتى وإنْ قال بعضهم عنوةً بوجود ذلك (أعني على المستوى المادي الملموس). فهي من العناوين التي يؤمن بها بعضهم وينكرها أخرون. ولاحظ أنَّني أنطلق من دائرة نقاش عامة وليست خاصة (أي أنَّني لا أنطلق بصفتي الانتمائية أو العقائدية بل بصفتي التخصّصية في الدائرة الطبية والعلمية). لذا فإنَّي لابد وأنْ أمسك العصاة من الوسط بخصوص فحوى النقاش موضوع القضية، وذلك لأنَّي هنا أُخاطب شرائح مُختلفة من التوجهات.

وهنا لابد من التأكيد - وهذا للتوضيح - على أنَّني أتحدّث عن "الإصابة بالعين" وليس عن الحسد الذي كثيرًا ما يتم الخلط بينه وبين "الإصابة بالعين" (التي تارةً يتم تقديمها على أنَّها تأتي مُصاحبةً للحسد وتارةً أُخرى يتم تقديمها على أنَّها حالة قابلة لأنْ تكون مُستقلة بذاتها). إذًا فالإصابة بالعين - بمعناها المادي الملموس - ليست هي الحسد الذي يدور في نطاق تمني زوال النعمة عن الغير.

ولِرُبَّما أستطيع هنا - حتى أتمكن من رسم حدود لِما أنا بصدده من نقاش وحتى تكتمل الصورة - أنْ أضع "الإصابة بالعين" تحت عنوان طاقة الجسد الكامنة (ولأكون مُحايدًا أيضًا فلابد أنْ أقول مُضيفًا: هذا في حال بالفعل كان لها وجود ملموس بمعناه المادي). ولاحظ أنَّي هنا أعمد أنْ أكونَ مُحايدًا لا مُنحازًا لأي اتجاه.

ويُقسِّم بعض المُتخصّصون في علوم طاقة الجسد مخزون الإنسان من الطاقة الكامنة لقسمين: طاقة سالبة وطاقة موجبة. فإذا صدق هذا التقسيم، فليس بالغريب أنْ تكون هذه النوعية من التأثيرات غير المحمودة - بالمنظور التحليلي المبدئي - من الطاقات السالبة.

إذًا أنا هنا أُساير الطرح التسلسلي للموضوع من أجل تقديم فهم عام لهيكليته التصوّرية.

وفي العموم، لابد أنْ أذكر أيضًا أنَّ أطروحات الطاقة الكامنة عند الإنسان وعلاقتها بجسده على المستوى الصحي والحيوي وغيرها من عناوين تُلامس حياته ومدى تأثيرها على ما هو حولها تندرج ضمن العلوم القديمة الحديثة التي بدأت تأخذ منحى أكاديمي في أيامنا هذه عند بعض الشعوب أو حتى عند بعض الحضارات (إذا ما أردنا أنْ نوسّع الدائرة) كالحضارة الهندية والحضارة الصينية والحضارة اليابانية وغيرها من حضارات تعتمد على علم الطاقة كمنهاج أيديولوجي؛ علمًا بأنَّ اطروحاتهم - في العموم - قد لا تلامس بشكل مُباشر موضوع "الإصابة بالعين" وأثرها على ما حولها (كقول أحدهم: فرّغ فلان طاقته السلبية هنا، أو أنَّ علّان فرّغ طاقته الإيجابية هناك). بل أنَّ هذه النوعية من الأطروحات بدأت تنتقل كعلوم أكاديمية لبعض الجامعات الغربية التي بدأ بعض منتسبيها يتبنّونها.

وهنا أشير إلى أنَّه يتم تدريس هذا الأطروحات الموجودة في أيدولوجيات مثل هذه الحضارات وما شابهها على أنَّه الإشعاع الخارج من الجسم البشري والملامس لكل ما يحيط به من مكونات سواءً كانت أحياءً أو جمادات. 

ويصف بعضهم هذه الطاقة بالنهر الذي يسير في مسارات داخل الجسم البشري ويمتد إلى خارجه. ويدّعي بعضهم أنَّه يمكن دراسة ما ينفع الإنسان أو يضره من خلال بعض الاختبارات القادرة على قياس مستويات الطاقة بأجهزة معينة وتحديد كميتها في صورة وحدات، حيث يتبنّى من يؤمن بنتائج هذه الاختبارات فكرة أنَّ كل ما في الكون يحتوي على طاقة بداخله (وبما في ذلك الإنسان).

ولاحظ أنَّي هنا مازالت حتى هذه اللحظة أوصِّف محاور هذا الأطروحة، دون أنْ أقدِّم أي وجهة نظر شخصية في شؤونه لا من الناحية العقائدية ولا حتى من الناحية الاستدلالية المُضادة؛ فتأمّل ما أرمي إليه.

ومن هنا برز ما يُعرَف اليوم بعلم الطاقة المعروف عند اليابانيين بالـ "رايكي"، وهو مصطلح مكوّن من عبارتين: "راي" وتعني طاقة الكون، و"كي" وتعني الطاقة الحيوية الموجودة في كل الكائنات التي يأتي على رأس قائمتها بنو البشر.

وعليه، فعند الحديث عن الإصابة بالعين فإنَّ هذا سيعني (عند قبولنا بالأطروحة أعلاه) أنَّنا بدأنا نتحدث عن عالم الطاقة الخفيّ الذي لا نراه، إلَّا أنَّنا قد نكتشفه (كما يقول الداعمون لهذا الطرح) من خلال أثار تلك الطاقة الظاهرة التي يُقال عنها بأنَّها تتحرك بسرعة تفوق سرعة المادة وبمعدلات عالية جدًا وفي موجات تختلف في أطوالها وسِعاتها؛ حيث أنَّه كلما اختلفت هذه الخصائص اختلف معها أثر الطاقة الظاهرة ومدى الإحساس بها. 

ومن أمثلة الأطروحات التي تبحّرت في علم الطاقة الخفية عند الإنسان التي لا نراها، الأطروحة التي قدّمها أيضًا الياباني "هيروشي موتوياما" الذي ميّز بين الشخص الطبيعي والشخص غير الطبيعي، بقوله: بأنَّ الشخص غير الطبيعي يملك قدرة داخلية وطاقة نفسية تجعله ذو تأثير على من حوله وقد يكون حينها ذو عين ضارة (على حد قول "موتوياما"). والذي يقول أيضًا: بأنَّ هناك انبعاث للطاقة من جسد الشخص غير الطبيعي تجعله يؤثّر على الشخص الطبيعي. وأشار إلى أنَّ هذه الطاقة تنبعث من بؤر سمّاها "شاكرا" توجد على امتداد الحبل الشوكي مع المحور الطولي للإنسان، وإنَّ أشدَّها نشاطًا البؤرة الموجودة بين العينين والتي تقابل تمامًا الغدة النخامية، وهي الغدة الرئيسة (المايسترو) الموجودة داخل الجمجمة، والتي تُسيطِّر بدورها على كل غدد الجسم الأخرى. 

وخلص "موتوياما" إلى أنَّ الأشخاص الطبيعيين غير قادرين على بعث هذه الطاقة؛ أمَّا الأشخاص الذين يمتلكون هذه القدرة (أي غير الطبيعيين) فيمكنهم إيقاظ تلك الطاقة ذات الشفرة الخاصة عن طريق التركيز، مِمَّا يجعلها تنبعث منهم؛ أو أثناء انفعالاتهم الداخلية الناتجة عن حالة نفسية غير مستقرة نتيجة تمني زوال النعمة وعدم الرضا النفسي (على حد قول "موتوياما" الذي كما نُلاحظ أنَّه يصُّب كل من موضوع الإصابة بالعين وموضوع الحسد في قالب واحد)، لتؤثّر على الشخص المصاب بالعين فتفسد انسياب الطاقة في جهازه العصبي أو غيره من أجهزة. ويضيف "موتوياما" بأنَّ هذا التأثير يصاحبه خلل قد يؤدّي إلى مرض أو ألم أو فساد أو ضعف أو غير ذلك. هذا كله - فقط للتأكيد - على حد قول "موتوياما". 

وبغض النظر عن كل ما ذُكِر أعلاه فإنَّ أطروحة "موتوياما" وغيرها من أطروحات مُشابهة (مِمَّا هو موجود في منهج الأيدولوجية اليابانية على وجه الخصوص وغيرها من ايدولوجيات قريبة منها في التفكير عمومًا) لا تلتقي بصورة واضحة مع العلوم الحديثة؛ بل أنَّها ليست من المُرتكزات التي تعتمَد عليها الدراسات المُعتمدة عند عملية التحليل والعلاج في دوائر الطب الإكلينيكي المبني على البراهين.

ويجدر بي أنْ أذكر أيضًا أنَّه قد تتعدّد العناوين التي تُقارب هذه المنطقة من الأطروحات الفلسفية غير المرئية عند الشعوب المختلفة على تعدّد دياناتهم وعقائدهم التحليلية للأمور، إلّا أنَّ هذا بكل تأكيد لا يعني تبنّي مؤسساتهم العلمية الرصينة له بالصورة التي يتم تقديمها من قبل القِلة أو العوام لديهم (لأنَّ هذا الأمر سيبعد تلك المؤسسات عن مبادئها العلمية التي ترتكز عليها). حيث أنَّك قد تلاحظ عند حديثك مع الغربيين - مثلًا لا حصرًا - أنَّهم قد لا ينكرون هذا الأمر في أحاديثهم الودية، إلَّا أنَّهم لا يوثِّقونه علميًا لديهم. فتراهم مثلًا يستخدمون في أحاديثهم - عندما يرون شخصًا منبهرًا من بعض انجازاتهم - عبارة (touch wood) أي المس الخشب، في اشارة لذات الأمر الموجود لدينا المرتبط بموضوع "العين وأثرها على ما حولها"؛ و كأنَّهم يؤكِّدون لنا بأنَّ هذا الشعور هو شعور إنساني يعتقد به من يعتقد ولكنَّه لا يستطيع اثباته وتبنّيه علميًا.

وفي الختام، لابد من التأكيد - كما أرى أنا شخصيًا من المنظور التحليلي الذي اراه منطقي القبول - على أنَّ الانغماس في هذا العالم الخفي (في زمننا هذا) من قِبل العامة ووضعه أمام تصوّرهم المُستمر ونسب ما يصيبهم من أذى له (سواء كان "إصابة بالعين" أو سحر أو شعودة أو جن أو أي من الإطرواحات الخارجة عن النطاق الإعتيادي لِمُمارسات البشر) سيكون كفيلًا بزرع الكثير من الأمراض في نفوسهم وابعادهم عن واقعهم الملموس؛ حيث أنَّه سيرمي بكل اخفاقاتهم وعدم تقدّمهم إلى تلك القوى الخفية التي تقع عليهم من كل حدب وصوب (بغض النظر عن اعتقادنا بوجودها الفعلي من عدمه)؛ خصوصًا وأنَّنا هنا نتحدث عن تلك الطاقة التي نجهل ابعادها الكلية ولا ندري عن طبيعتها الميتافيزيائية، هذا في حال بالفعل كان لها وجود حقيقي (بل ولا حتى عن مدى مُقاربتها للواقع في نطاق نظرتنا إليها بعقولنا المحدودة الأبعاد). أمَّا من المنظور العقائدي (ودون الدخول في التفاصيل وذكر ما جاء به المفسرون من معاني للآية الكريمة "وَإن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ"، وأيضًا للآية الكريمة "قُل لَّن يُصِيبَنَا إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ")، فيكفيني أنَّ أختصرَ الموضوع في: "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا"، وهو نعم الصاحب ونعم الوكيل.

1 comments:

Post a Comment