Sunday, 9 September 2018
September 09, 2018

جدلية فحوص الـ د. ن. أ. ونقص قواعدها البيانية


س/ هل تنقص فحوص الـ د. ن. أ. التي تسعى لنسب أحدهم لأحد الشخصيات الضاربة جذورها في التاريخ القواعد البيانية؟ 

ج/ نعم؛ فهذا الكلام صحيح.
فَفحوص الأتوزومال المعتمدة بالدرجة الأولى على موروثات الميتوكوندريا لا تذهب بعيدًا في تعريفها العائلي، وهي التي تسمى بـِ "المُعرِّف العائلي".
وأمَّا فحوص الواي كروموسوم على اختلافها فلا تملك القاعدة البيانية التي تستطيع من خلالها (مثلًا) نسب أحدهم إلى أحد الأئمة (ع) أو إلى إحدى الشخصيات السيادية الضاربة جذورها في التاريخ أو إلى أيٍ من الشخصيات التاريخية الأُخرى التي عاشتْ قبل مئات السنين بعينها كما يفعل البعض عنوةً في مجتمعاتنا من أجل أنْ يضيف لنفسه حسبًا ونسبًا سياديًا أو تشريفيًا اعتمادًا على ما يغرفه من نتائج مخبرية في هذا الشأن، وذلك لعدم وجود مكتبة جينية واضحة لهم (ع) ولِلكثير مِمَّن جاء معهم أو قبلهم. فَهذه الفحوص دقيقة وحرفية في تتبع الأثر القريب المدى أو المعروف المصدر البيولوجي أو المتوفِّرة معلوماته الوراثية. وهي تدخل أيضًا فِي تجزئة الشعوب وتتبع أثرهم السكاني وتحركاتهم الجغرافية، وهي العملية التي تسمى بـــ الهابلوجروب.
لذا، نسأل: وهل من نَسَبَ نفسه لمحمد (ص) وآله (ع) لديه خريطة جينية لهم شخصيًا (ع)؟! أو أنَّ لديه مادة بيولوجية مأخوذة من أجسادهم (ع)؟!
والإجابة باختصار هي: "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"! 
وعلى كل حال فإنَّ بعض من استثارهم المقال المكتوب في قضية تنجيم الفحوص الجينية، لم يقرؤوه جيدًا ولم يتأمَّلوا في مغزاه ولا في طبيعة الفحوص المشار إليها فيه، والتي من ضمنها فحوص الواي كروموسوم التي تعكّزوا عليها دون أنْ يلاحظوا الشروح التي وردت فيها. فأخذوا من بعدها يضلِّلون الناس بعبارات لا ترقى لمستوى النقاش العلمي.
بل أنَّ بعضهم بدأ ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات مُضلّلة تربط العروق العربية باليهودية (ولا أدري ما مناسبة التعرض لهذا الربط وإقحامه في موضوعنا!)، أو تتحدث عن علاقة بعض الشعوب ببعضها الأخر في مناطق جغرافية مختلفة (وهو نفس العنوان الذي وضعناه تحت مضلة دراسة التوزيع الجغرافي والتحرك السكاني)، أو تتحدث عن نظرية الانتقاء الطبيعي لداروين التي يحوم حول مفاهيمها الكثير من الكلام الجدلي، وما جاء على غرار هذه العناوين، متوهمين وواهمين غيرهم بأنه الدليل على ما يسوقون له من بضاعة. وهو الأمر الذي لا يدخل في صلب قضيتنا المحورية، وذلك لأن أصل القضية (وهذا لِلتأكِّيد) يصب في رافد فقدان الدليل عند تحديد الانتساب الدقيق لشخصيات تاريخية بعينها.
وهذا مؤشر خطير في طبيعة تعامل بعض من ينسب نفسه لدائرة الثقافة عندما يكون مُحمَّلًا بنزاعات تدفعه للاستماتة في الدفاع عمَّا يتمصلح منه بأي وجه من الأوجه (سواء كان عبر اكتساب النسب والحسب، أو كان عبر المتاجرة المادية في هذا الخط المربح).
والأخطر من هذا كله أنَّه حينما يكتب دعاة الثقافة خفيةً في الظلام تحت مُسمَّيات ضبابيّة!
بل وأنَّ الطامة الأكبر تكمن في مَنْ يأخذ من مثل هؤلاء (مجهولي الهوية) ويعتمد على ما يقولونه، فكيف له أنْ يستسقي معلوماته بهذه الطريقة!
وعلى كل حال، فإنَّ الثقة في النفس والجرأة العلمية تدفع المتخصِّص دائمًا للتعريف بنفسه أوَّلًا عند نشره للمعرفة دون أنْ يتعرَّض لهذا وذاك بالتجريح والأذية. فالفكرة لا تُصارَع إلَّا بالفكرة والدليل لا يُطارحه إلَّا الدليل.
ومن هنا لا يسع المجال في نهاية المطاف إلَّا ذكر قوله عز وجل: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ".

مقال ذو صلة: ما حقيقة فحوص الـ د. ن. أ. الداخلة في تحديد الانتماء لبعض الشخصيات الضاربة جذورها في التاريخ؟
التالي
هذا أحدث موضوع كُتِبَ حتى الآن
Older Post

0 comments:

Post a Comment