قصة “نوكيا” ليست حكايةَ شركةٍ انهزمت، بل مرآةٌ لعصرٍ تغيّر وجهُه، غير أنّ بعضَ ملامحه أعرضَ عن الإصغاءِ لنداءِ التحوّل.وحين أعلن ستيفن إيلوب، الرئيسُ التنفيذي للشركة، بيعَها إلى “مايكروسوفت”، حملت كلمتُه ما يمكن اختزاله في العبارة الخالدة التي يُستشهد بها في كتب الإدارة والتاريخ على حدٍّ سواء، بوصفها خلاصةً لذلك الخطاب: “لم نرتكب خطأً… ولكننا خسرنا.”
تلك العبارة لم تكن مجرّد خلاصةٍ لخطابٍ رسمي، بل مرثيّةً لمرحلةٍ من الوعي الصناعي والتقني بلغت ذروتها، ثم تراجع بريقُها في زحمة التحوّلات. فـ“نوكيا” لم تكن فاشلةً في إدارتها، لكنها أُصيبت بما يُسمّى “غرورَ النجاح”، إذ ظنّت أن الصدارة تُورَّث، وأن أمجادَ الأمس قادرةٌ على صون الغد. غير أنّ العالم تبدّل من حولها بسرعةٍ تفوق التصوّر، بينما ظلّت هي أسيرةَ ماضيها، تدور في فلكٍ قديم. تأخّرت عن التجدّد، وعن إعادة تعريف ذاتها، ففقدت موقعها في القمّة، حتى تلاشى حضورُها من المشهد.
الرسالة أبلغُ من أن تُنسى: من لا يتغيّر حين يتبدّل العالم، يُمحَ اسمه من ذاكرة الزمن، ومن يظنّ أنه بلغ الكمال، يبدأ رحلتَه نحو الزوال من حيث لا يشعر. إن الفشلَ الحقيقيَّ ليس في السقوط، بل في الرضا بالجمود، وفي الظنّ بأننا تجاوزنا الحاجة إلى التعلّم واتّساع الأفق؛ فهما السبيلُ إلى التطوّر. فالتعلّمُ واتّساعُ الأفقِ ليسا ترفًا يُضافُ إلى الحياة، بل جوهرُ تجددها ومعنى بقائها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق