أثناء قراءتي هذا الصباح لكتاب “Man’s Search for Meaning” لفيكتور فرانكل، تذكّرت كيف أن سؤال المعنى ظلّ حاضرًا بقوة في أعمال كثير من المفكرين عبر التاريخ. فنيتشه، في “Thus Spoke Zarathustra”، لم يتوقف عن السؤال عما يجعل الإنسان قادرًا على تحمّل قسوة الحياة. وكامو، في “The Myth of Sisyphus”، ذهب أبعد في مواجهة عبث الوجود وسؤال جدوى الاستمرار. أما إريك فروم في “The Art of Being” وإميل دوركايم في “Suicide” فقد تناولا غياب المعنى باعتباره جرحًا اجتماعيًا ونفسيًا يتسع كلما انقطع الإنسان عن ذاته وقيمه.
وسط كل هذه الأصوات، وجدت أن فرانكل — عبر تجربته التي وصفها بالقاسية — كان يحاول أن يجيب عن السؤال ذاته لكن بوضوح أشد:
كيف يواصل الإنسان حياته حين يفقد كل شيء؟
حيث يرى فرانكل أن الإنسان لا يتحرك بدافع اللذة أو المصلحة كما افترضت بعض النظريات القديمة (كطرح فرويد أو نيتشه وغيرهما)، بل بدافع أعمق يتجاوز ذلك كله: الحاجة إلى إيجاد معنى لوجوده.
هذه الحاجة ليست انشغالًا ذهنيًا عابرًا، بل هي المحرّك الداخلي الذي يمنح للحياة اتجاهها وقيمتها، ويمنح للألم نفسه معنى يمكن احتماله.
وحين يتعثر الإنسان في العثور على هذا المعنى، يدخل في ما يسميه فرانكل “الإحباط الوجودي”. ليست هذه أزمة عابرة، بل أزمة تضرب أعماقه — سواء أدرك ذلك أم لم يدركه — وتجعله واقفًا أمام سؤال ثقيل واحد:
ما حقيقة وجوده، ولماذا يعيش؟
ومع غياب الإجابة، يتحوّل القلق إلى فراغ، ثم إلى انهيار داخلي يظهر في أشكال متعددة.
ومن هذا الفراغ ينشأ ما يسميه فرانكل “العصاب الوجودي”، وهو اضطراب لا ينشأ من صراعات نفسية أو كبتٍ باطني، بل من صراع القيم وفقدان الاتجاه. فالإنسان هنا لا يعاني من رغبات مكبوتة، بقدر ما يعاني من غياب هدف يمنحه القدرة على الاستمرار.
ويتفاقم هذا التصدّع الداخلي حين يشعر الإنسان أن ما يفعله يتناقض مع ما يؤمن بأنه الصواب؛ حين تُبعده الظروف — أو ضغوط المجتمع والعائلة — عن ذاته الحقيقية. في تلك اللحظة ينشأ تمزّق عميق لا تعالجه النصائح السريعة، لأنه يرتبط بجذر أدق: معنى لم يعد موجودًا.
وهكذا يتضح أن الإنسان لا يحتمل الألم بدافع اللذة، ولا يواجه الحياة بحثًا عن الراحة فقط، بل لأنه يبحث عن قيمة أو غاية تمنحه القدرة على التحمّل.
فحين يفقد هذا المعنى، يمكن لكل شيء أن ينهار، مهما بدا النجاح ظاهرًا أو الراحة متوفّرة.
وعليه، فالسقوط الحقيقي لا يُولَد من الألم، بل من غياب المعنى.
والنهوض يبدأ حين يجد الإنسان سببًا ينهض لأجله، لأن وجود المعنى هو ما يجعل الطريق — مهما قسا — قابلًا للعبور.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق