Monday, 21 November 2016
November 21, 2016

هل صحيح أنَّ شُرْب عصير الفاكهة يرفع احتمالية الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني؟




هنا سأُبدأ بمُراجعة العناوين الرئيسة لإحدى أهم الدراسات التي قام بها مجموعة من الباحثين (من بريطانيا وسنغافورة ومن جامعة هارفارد)، الذين توصّلوا فيها لخُلاصة مفادها أنَّ أكل الفاكهة - بشكل عام - يُقلِّل من احتمالية خطر الإصابة بمرض السُكَّري من النوع الثاني، بينما يزيد شرب عصائر الفواكه من احتمالية الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني!

وفي مُستهل هذا المُراجعة، أذكُر لكم أولًا أنّٓ دراستهم هذه (التي غطَّت ما يُقارب ١٨٨ ألف مريضًا يقطنون الجزيرة الإنجليزية؛ خلال مدة استمرت حدود ٢٤ سنة وتحديدًا في الفترة ما بين عام ١٩٨٤م وعام ٢٠٠٨م؛ والتي تم نشر نتائجها في [BMJ] في عام ٢٠١٣م) أفضت إلى أنَّ التوت البري أو العنب البري (blueberries) هو الخيار الأفضل لتقليل احتمالية الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني بمعدل ٢٦٪، عند أخذه بمتوسط ثلاث حصص في الأسبوع؛ وأنَّ العنب والتفاح هما الآخران يقلِّلان أيضًا من احتمالية الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني (ولكن بنسب أقل من التوت البري). بينما، وجدت نفس الدراسة أنَّ فاكهة الموز والخوخ والمشمش ليس لها تأثير يُعتدُّ به مُقارنة بما ذُكِر من فواكه.

وفي الجانب المُعاكس تمامًا، وجدت نفس الدراسة أيضًا أنَّ ثلاث حصص من عصير الفاكهة اسبوعيًا (ولاحظ أنَّني أتحدَّث عن العصير وليس عن الفاكهة الكاملة) تُساعد على احتمالية رفع خطر الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني بمُعدِّل يصل إلى حدود ٨٪.

إذًا نحن هُنا نتحدَّث عن الاختلاف في النتائج بين أكل الفاكهة الكاملة وشُرب عصيرها (اعتمادًا على نفس الدراسة الدولية البعيدة المدى الآنفة الذكر)!

وبالمناسبة، فإنَّ ما تقدَّم لا يقتصر فقط على ما جاءت به الدراسة السابقة، بل أنَّ مضمونه يتفق - في معطياته - مع الكثير من الدراسات التي تصُب في نفس الدلتا من تلك الدائرة المعرفية (ولا يسعى المجال هنا لتغطيتها جميعًا). بل أنَّ هناك الكثير من الكتب الأجنبية التي كُتبت في هذا المجال والتي ناقشت زواياه المُختلفة.

ومع العلم من ملائمة العصير للكثير من الناس، الا أنَّه كخيار يأتي في ترتيب متأخِّر مُقارنةً بالفواكه الطبيعية الكاملة. ومن هُنا لابد أنْ نعرف أنَّ عْصْرَ الفواكه لا يعني فقط تكسّير المركبات ومضادات الأكسدة الموجودة فيها والمفيدة للجسم، بل أنَّه يعني أيضًا إزالة الألياف الطبيعية المسؤولة عن تماسكها وشكلها قبل العصر (أي أنَّ المُحصِّلة النهاية لعملية العْصْرْ ستكون عبارة عن الخُلاصة السائلة المحتوية على كل السُكَّريات وبعض الفيتامينات، والتي ستكون أيضًا منزوعة الألياف ومُضادات الأكسدة والكثير من المُركَّبات المُفيدة). 

وهنا لابد أنْ نعرف بأنَّ الألياف تحمل معها الكثير من الفوائد للجهاز الهضمي، بل أنَّها تلعب دورًا كبيرًا في عملية تقليل امتصاص السُكَّريات الموجودة في الفواكه (وعبارة الألياف هُنا هي كلمة السر الكامنة في عملية مُفاضلة الفاكهة مع عصيرها)؛ أي أنَّها تُحافظ على مؤشِّر السُكَّر في الدم الذي يُسمَّى بالـ (glycemic index) تحت مُعدَّلات مُنخفِضة. وهذه هي الفرضية الموضوعة مُسبقًا من قبل الباحثين والتي تم دعمُها في عدة دراسات تطبيقية. لهذا السبب (وبالاعتماد على النتائج التي جاءت بها هذه الدراسة وغيرها من دراسات مُشابهة) فإنَّ العصائر ترفع من احتمالية الإصابة بالسُكَّر لخلوها من الألياف بالدرجة الأولى (فضلًا عن بقية المركبات المفيدة بالدرجة الثانية).

ومن هُنا، نستطيع الإجابة على السؤال القائل: لماذا يربط بعض المُتخصِّصين في المجال الغذائي موضوع الحصول على كميات كبيرة من العصير (وليس الفاكهة الكاملة) عند الأطفال في الصغر بموضوع الزيادة في الوزن؟ وأيضًا على السؤال القائل: لماذا يتم التأكيد دائما على أكل الفواكه الكاملة الطازجة بكل ما تحتويه من مكونات؟

والإجابة باختصار على ما تقدّٓم من أسئلة تكمن في العبارة الذهبية، ألا وهي: "الألياف".

وهُنا أستثمرها فُرصة لتسليط الضوء على النُقطة المُتعلِّقة بأهمية الانتباه إلى أنَّ الكثير من العصائر التي يتم تسويقها في المراكز الغذائية تحت مسمى "عصائر طبيعية ١٠٠٪ وتحتوي على فيتامينات مُركَّزة" هي في واقع الأمر مليئة بالسُكَّر ولا تندرج تحت الأغذية المُنخَفِضة السعرات الحرارية أبدًا لا من قريب ولا من بعيد (وأنا هنا أتحدث عن كل العصائر المُعلَّبة بدون استثناء).

وحتى أُقرِّب الصورة وأجعلها أكثر وضوحًا، أذكُر لكم بأنَّ ثمان أُونصات من عصير البرتقال الطازج يحتوي على ١١٠ سعرة حرارية؛ وهي قيمة مساوية (بالعلم من كميتها القليلة جدًا) لبرتقالتين من الحجم الكبير. أمَّا عند الحديث عن ذلك العصير المعروض في المخازن الغذائية الذي يتم تعبئته صناعيًا في قوارير مُغلقة، فقيمة السعرات الحرارية الموجودة فيه هي حتمًا أضعاف قيمة تلك السعرات الموجودة في العصير الطازج (وهذا البون الشاسع في السعرات الحرارية ناتج من اضافة الُسُكَّر الصناعي إليه بكميات كبيرة، شئنا أم أبينا!).

من هُنا أذكر لكم - في عنوان مُغاير - أنَّه عند شرب الإنسان للعصير فإنَّه لا يشعر بالشبع (وذلك بسبب عدم احتوائه - مرةً أُخرى - على الألياف، وهو ما يعني أيضًا سُرعة امتصاصه من الجهاز الهضمي لمجرى الدم بتركيز عالي من السُعرات الحرارية، خصوصًا حينما تكون المعدة فارغة)؛ وهو عكس ما يحدُث عند أكل الفاكهة كاملةً. 

لذا يتحتّم علينا أنْ لا نقع في فخ ترجيح الفيتامينات الموجودة في العصير (أيًا كانت نوعيته) على كمية السعرات الحرارية المُصاحبة لها؛ حيث أنَّ برتقالة واحدة من الحجم المتوسّط - فقط - ستكون قادرةً على تزويد الجسم بكل الاحتياج اليومي من فيتامين "ج" (Vitamin C) دون أنْ ترفع مستوى السُكَّر في الدم بالصورة التي يقوم بها عصيرها. وعليه، أسأل: ما الحكمة من الحصول على كميات كبيرة من فيتامين موجود في عصير الفاكهة يفوق مُعدّٓل احتياجنا اليومي؟

أمَّا الأمر الأخر فهو أنَّ معظم العصائر الموجودة في البقالات والمخازن الغذائية (حتى تلك المكتوب عليها أنَّها طبيعية، وأنا هُنا أعني كُل المُنتجات التي يُشار لها بالبنان على أنَّها طبيعية وصحية) تدخل عند تصنيعها في عمليات غير طبيعية، يتم فيها عْصْر فاكهتها ومن ثم تخزينها في خزّٓانات ضخمة (في الوقت الذي تكون فيها نفس الفاكهة الكاملة الطازجة تُباع في الأسواق وفي موسمها المقطوفة فيه). 

وما يجب التنبُّه له أيضًا عند تصنيع العصائر هو أنَّه حينما يُزال الأكسجين - من أجل حفظ العصير بالمواد الصناعية المختلفة - فإنَّ طعم الفاكهة يذهب معه، وهو ما يدفع الشركات المتخصصة في صناعة نكهات الأطعمة المختلفة للعب الدور المُكَمِّل لحلقات السلسلة خلال هذه المرحلة الحسَّاسة من عملية التصنيع من أجل إيجاد الطعم النهائي لتلك العصائر قبل بيعها في الأسواق (وهو ما يعني أنَّ غالب العصائر المُعلَّبة التي يُطلق عليها مُسمَّى "طبيعية" تحتوي على نكهات صناعية غير طبيعية).

وحتى لو فرضنا أنَّ العصائر الطازجة (فضلًا عن غير الطازجة) تحتوي على فيتامينات زائدة عن تلك الموجودة في الفاكهة الطبيعية، فإنَّه من المُهم أنْ تلتفت إلى أنَّه عند وضعك على محك الاختيار بين الفاكهة الطبيعية وعصيرها، فإنَّ اختيارك للفاكهة الطبيعية سيكون هو الخيار الأفضل صحيًا؛ فالألياف التي بها وغذائها الكامل ومقدرتها على الحفاظ على معدل السُكَّر في الدم لن تجده - بأي حال من الأحول - في العصير المنزوع منها.

ليس هذ فحسب، بل أنَّنا نستطيع أنْ نفهم أيضًا الآن أنَّه حتى عند مُقارنة العصائر بالماء، فإنَّ الماء حينها سيتفوّق على العصائر وعلى بقية السوائل الأُخرى، كونه خالي من السُكَّريات، وامتصاصه إلى مجرى الدم لن يؤدِّي إلَّا لتنظيف الجسم من التراكمات غير المرغوبة فيها (من أملاح وبقايا سُمِّية)، ولأهميته أيضًا في الكثير من التفاعلات الحيوية، وتنقيته للكلى وما شابه من أجهزة مركزية. وعليه، فإنَّه ليس من العدل أنْ نُقارن شُرب الماء - عندما نتحدَّث عن موضوع "التأكيد على شرب السوائل" - بأي مشروب آخر. يقول المولى عز وجل في كتابه المجيد: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ".

وفي نهاية المطاف، نستطيع القول - كما بدى لنا جليًا حتى الآن وباختصار - أنَّ ترجيح أكل الفاكهة على عصيرها ليس له علاقة واضحة بموضوع حركة الفكّين ومضغ الطعام (كما يُروِّج له البعض)، بل هو مُتصل بالدرجة الأولى - كما تبيّن - بتلك المواد التي نخسرها أثناء عصر الفاكهة والتي على رأسها تتربَّع الألياف!

0 comments:

Post a Comment