الدكتور / محمد آل محروس
السبت، 23 ديسمبر 2017
فيديو

هل صحيح بأنَّ الفاكهة لا تتسبَّب في رفع السكر في الدم؟

ديسمبر 23, 2017
قراءة المزيد
بقعة ضوء

الفرق بين سُكَّر الفاكهة والسُكَّر الصناعي المُكرَّر


سواء كان الذي نتناوله هو حبة فاكهة أو مشروب غازي أو قطعة من الكيك أو أي وجبة سُكَّريَّة، فإنَّه في العموم سيكون محتويًا على مركبين رئيسين من السكريَّات الأحاديَّة، هما الفركتوز والجلوكوز. فالحلاوة التي نحصل عليها من غالب الأغذيَّة ترتكز بالدرجة الأولى على الهيكلية والتركيبة الكيميائيَّة لجزيئات هذين النوعين من السُكريات الأحاديَّة، أيًا كان المصدر (مع استثناء السُكريَّات المُحلِّيَّة التي تحدَّثتُ عنها في تحقيق سابق تحت عنوان "بدائل السُكَّر المُحلِّية.. أمنة أم لا؟".

ولاحظ بأنَّي أتحدَّث هنا في العموم عن أهم التراكيب السُكَّريَّة، دون الدخول في تفاصيل بقية الأنواع الأحاديَّة والثنائيَّة والمُعقَّدة من السُكريَّات (التي لا يعنينا أمرها كثيرًا في هذا الطرح، وذلك لأنَّنا نسعى لبيان صورة مُحدَّدة تستهدف تفنِّيد بعض المُغالطات التي يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي قد تضر بمن يُعانون من مرض السُكَّر).

ومع العلم من كل هذا، فإنَّنا عند التركيز على أصل ما تضمَّنته السطور السابقة، سنُلاحظ بأنَّ هناك اختلاف في تفصيل الحديث المرتبط بالسُكرِّيَّات المأخوذة من الفواكه أو من أي مصدر صناعي أخر تدخل في تركيبته السُكَّريات المُكرَّرة.

وأوَّل هذه الاختلافات يتعلَّق بنسب كل من الفركتوز والجلوكوز. فهما عمومًا بنفس النسبة تقريبًا في كل من الفاكهة والسُكَّر الصناعي المُكرَّر. حيث أنَّ معظم الفواكه تحتوي على نسبة من هذين النوعين من السُكَّر تتأرجَّح ما بين 40 و55 بالمئة من الفركتوز (مع وجود استثناءات في بعضها، كالتفاح الذي يحتوي على نسبة تصل إلى حدود 65 بالمئة، والتوت البري الذي يحتوي على نسبة تصل إلى حدود 20 بالمئة). بينما يحتوي السكَّر الصناعي المُكرَّر على نسبة تصل إلى 50 بالمئة من كليهما (أي من الفركتوز والجلوكوز). ولا نستطيع القول بأنَّ أحد هذين النوعين من السُكَّر هو أفضل أو أسوء من الأخر؛ إلَّا أنَّ الأهم والواجب الالتفات له هو أنَّ طريقة مُعالجة الجسم البشري لهما تختلف. فالفركتوز (سُكَّر الفاكهة) يتم تكسيره في الكبد، ولا يقوم بتحفيز البنكرياس على افراز الانسولين؛ بينما تبدأ عملية تفكيك الجلوكوز في المعدة، وهو يحتاج إلى إفراز الأنسولين في الدم من أجل أنْ تتم عملية الأيض الخاصة به بشكل كامل حتى تستفيد الخلايا منه.

وهنا يجب ألَّا يتم فهم هذا التقديم بصورة خاطئة. أي أنَّه يجب ألَّا يُفهَم منه: أنَّه بما أنَّ تركيب السُكَّر في كل من الفواكه والحلويات الصناعيَّة مُتشابه، فهذا يعني أنَّهما غذائيًا مُتشابهان أيضًا. ففي حقيقة الأمر هما مُختلفان؛ لِعدة أسباب جوهريَّة من أهمها التالي: -
  1. إنَّ الفواكه تحتوي تراكيب غذائيَّة مُفيدة لِلجسم البشري من أهمها الفيتامينات ومضادات الأكسدة والماء. بينما الحلويات الصناعيَّة والكيك والآيسكريم والكثير من المأكولات الشعبية التي تحتوي على السكريَّات المُكرَّرة (التي تم غسيلها بالمواد الكيميائية) هي فقيرة لِهذه القيم الإضافيَّة المهمة.
  2. إنَّ الفواكه تحتوي عمومًا على سُكَّر أقل عند حسابها بِمعيار الحجم. فمثلًا نجد أنَّ كأس من حبات الفراولة تحتوي تقريبًا على 3.5 جرام من السُكَّر؛ بينما يحتوي كأس من آيس كريم الفراولة تقريبًا على 15 جرام من السُكَّر (ولاحظ الفرق).
  3. إنَّ الفواكه تحتوي على الكثير من الألياف، التي تقوم في واقع الأمر بتقديم الكثير من الفوائد لِلجهاز الهضمي، إلَّا أنَّ الذي يعنينا فيها هنا هو أنَّها تُبطِّئ من عملية هضم الجلوكوز على وجه الخصوص، مِمَّا يجعل الجسم لا يفرز أنسولين بصور جنونيَّة، فيُرهق العضو المسؤول عن افرازه (أي البنكرياس) ويتسبَّب مع مرور الأيام في مشاكله الصحيَّة كما يفعل السُكَّر المُكرَّر والحلويات الصناعية والمأكولات الشعبية السُكَّريَّة. وهو يعني أيضًا: أنَّ الجسم البشري حينها سيكون لديه وقت أطوَّل لِلاستفادة من الجلوكوز الموجود في الفواكه كمصدر للطاقة قبل تخزينه كدهون. بل وحتى الفواكه المُجفَّفة، فهي في العموم تحتفظ بأليافها والكثير من قيمها الغذائيَّة. وهذا الكلام لا يعني التشجيع على أكلها على نحو مُطلق (خصوصًا تلك التي يُضاف لها السُكريَّات المُكرَّرة في المصانع)؛ حيث أنَّ البعض يأكل منها بكميات كبيرة بحجة أنَّها تحتوي على فوائد شبيهة بأخواتها الطازجة (وهذا خطأ). فما هو موجود في لقمة من الزبيب من قيم غذائيَّة وسُكَّريَّة (حتى لو لم تكن مُحضَّرة في المصانع التجاريَّة) يختلف عمَّا هو موجود في نفس المقدار من العنب. 
وفي الأخير أؤكَّد على أنَّ الكثير منا لا يأكل كميَّة كافية من الفواكه، ناسيًا بأنَّ ما نحصل عليه من الفواكه كقيمة غذائيَّة بِتنوِّعها العام هو مهم لِلجسم البشري. وهذا لا ينطبق مُطلقًا على السُكَّريات الصناعيَّة.

روابط ذات صلة
ديسمبر 23, 2017
قراءة المزيد
الخميس، 14 ديسمبر 2017
بقعة ضوء

حكاية الأندومي مع مادة مونو صوديوم جلوتوميت



بخصوص المنشورات التي تُركِّز على احتواء الأندومي على مادة جلوتوميت الصوديوم الأحادي أو "مونو صوديوم جلوتميت" (MSG) أو الملح الصيني بصفتها مادة خطيرة، فإنَّ هذه المنشورات لم تُخبرنا بِما تقود إليه هذه المادة فعليًا من مشاكل صحية بطريقة صحيحة وبما يتوافق ومنهج العقلاء في تصنيف المواد المُمرضة؛ وذلك لأنَّها بالغتْ في بعض المشاكل الصحية بطريقة انحيازية وليست علمية، بل وأنَّها لم تعتمد على أي نشرات دراسيَّة تُحدِّد المُعدلات الخطيرة لهذه المادة وطبيعتها. ومن جانب ثاني، فإنَّنا لابد أنْ نفهم حينها أيضًا (وهي النقطة الأهم) بأنَّ هذه المادة موجودة بِكميات مُضاعفة في الكثير من الأغذية الشرق أسيوية كالصينية واليابانية التي يتغلل زيت الصودا وما شابه من مواد في مأكولاتها، بل والتي لا تستغني عنها مطاعمُها؛ حيث أنَّها بشكل سريع بدأتْ تَتَدَرَّج لتدخل في الكثير من الأغذية العالمية الشاملة حتى لِلأغذية العربية، بل وأنَّها موجودة أيضًا في بعض الأغذية الطبيعية. وبالتالي، فحينما يرفض البعض "الأندومي" على أساس وجود هذه المادة فيه (ولا بأس بقبول هكذا توجه إذا كان صاحبه مقتنع به)، فإنَّه لابد أنْ يكون معيار التطبيق حينها موحَّدًا، وأنْ يقوم هؤلاء أيضًا بِرفض بقية الأغذية المحتوية على هذه المادة بالارتكاز على نفس المعيار؛ فالازدواجيَّة والانتقائيَّة في رفض بعض الأغذية وقبول بعضها الأخر بهذه الطريقة لا يدل على فهم الحقيقة العلميَّة من وراء ما نُسمِّيه بِـ "التثقيف الغذائي". فتراه يتغنَّى بعدم أكله لِلأندومي من جانب، وهو منغمسٌ في أكل أغذية تجارية تحتوي على نفس المكونات من جانب أخر... (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)!

________________
ديسمبر 14, 2017
قراءة المزيد
الجمعة، 17 نوفمبر 2017
بقعة ضوء

كشف وجود الفورمَالِين في مُنْتَجَات الألبَّان


نَعِم؛ يلجأ بعض بائعي مُنْتَجَات الألبَّان غير الأمناء لإضافة مواد كيمائية ضارة، لقتل الميكروبات وإطالة صلاحيتها (والأمر ليس وليد اليوم). ومن هذه المواد: الفورمَالِين (المُستخدمة في التحنيط) المحظور إضافته للأغذية نهائيًا (وفقًا لدستور منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية)، لأنها تُعَّدُ (بمداها القريب أو البعيد) شديدة السمية ومُسَرطِّنَة للإنسان (ولو بأجزاء من المليون). وفي حال تأكد وجودها في مُنْتَجَات الألبَّان لدينا دون رقابة من قبل الجهات المعنية، فإن حتمية ربط ارتفاع مُعَدَّل أمراض فَتَّاكَة بها (كالفشل الكلوي، وتليف الكبد، وتقرح والتهاب المريء) سيكون مؤكدًا.

والفورمَالِين عبارة عن 37% من الفورمالدهيد (بأقل تقدير)، إلا أنه قد يُضاف إليها الميثيلين لمنع بلمرتها، مما يزيد سُمِيَتَها.

وبالكيمياء المُبَسَّطَة نكشف عن الفورمَالِين في مُنْتَجَات الألبَّان (مخبريًا)، وذلك بمزج 3 سم منها مع 3 سم ماء في أنبوب زجاجي، ومن ثَمَّ إضافة 5 سم حمض كبريتيك ببطء (وحذر شديد) على جدار الأنبوبة في وضع الميلان، فإن تَكَوَّنت حلقة بنفسجية دل على وجود الفورمَالِين، أما في حال تَكَوَّن لون بني دل على خلو المُنتج منها.
نوفمبر 17, 2017
قراءة المزيد
الأربعاء، 11 أكتوبر 2017
بقعة ضوء

وصف المضادات بطريقة عشوائية لا تحكمها معايير صحية


أنَّ وصف المضادات الحيوية بدون عمل مزارع أصبح شائعًا بين الأطباء وبطريقة ملفتة ومخيفة (وَإِنْ عُملت فهي من باب الإجراء الروتيني فقط)؛ بل أنَّ وصف المضادات - للأسف الشديد - لم يعد يخضع لمعايير واضحة، وكل طبيب له وصفته الخاصة. وهذا أمر خطير للغاية ويؤشّر بمستقبل بكتيري شديد المقاومة للمضادات في مناطقنا. والسبب الرئيس - كما ألاحظ دائمًا - هو عدم اكتراث الكثير من الأطبّاء، وغياب المعايير الموحّدة والرقابة الحقيقية على المنشأت الصحية عمومًا سِيَّمَا القطاع الخاص، وغياب الوعي الثقافي بشأن فكرة المضادات الحيوية عند الكثير من الناس؛ فَهُم لا يعرفون كيف يتم استخدامها؟ وكيف يتم التفريق عمومًا بين الالتهابات البكتيرية وغيرها من التهابات؟ بل ويعتقدون أنَّ تشابه الأعراض يعني تشابه العلاج!
أكتوبر 11, 2017
قراءة المزيد
الأربعاء، 4 أكتوبر 2017
بقعة ضوء

ما حقيقة فحوص الـ د. ن. أ. الداخلة في تحديد الانتماء لبعض الشخصيات الضاربة جذورها في التاريخ؟


إنَّ فحوص ما يُسمَّى بالـ د. ن. أ. (DNA) التي يدَّعي البعض أنَّها تُخبر الناس بنسبهم إلى شيخ القبيلة العربية الأصيلة الفُلانية التي عاشتْ قبل مئات السنين، أو الشرف الرفيع القادم من أحد الأنبياء أو الأوصياء العلَّاني، هي في حقيقة الأمر لا تندرج إلَّا تحت عنوان "التنجِّيم الجيني" في ظل غياب المكتبة الوراثية البشرية المتكاملة. ولاحظ هنا وقبل الاسترسال في القراءة، بأنَّ حديث هذه المقالة (كما يتضمَّنه العنوان موضوع القضية) يستهدف بالدرجة الأولى الفحوص التي تدَّعي التنقيب في الجذور التاريخية للأنساب السيادية والتشريفية وليس النسب المباشر الذي لا يتعدَّى بضعة أجيال والمعمول به في المختبرات الصحية والجنائية؛ حيث سُتغطِّي حوارية المقال الفحوص المعمول بها في هذا الجانب (سواء كانتْ من نوعية الأوتوزومال المُتستهدفة لموروثات الميتوكوندريا أو تلك التي تستهدف الواي كروموسوم، وعلى نحو تدريجي)!

ومن هنا أذكر بأنَّ المسألة - المُتَعلِّقة بِموضوع قضيتنا - لم تعد فقط مجرَّد تهريج اجتماعي في الدول العربية ولعب على الذقون وخلق صراعات وهمية بين بعض القبائل نابعةً من غياب الوعي والمعرفة بطبيعة ما تعنيه هذه الفحوص، بل هي مُشكلة عويصة أصبح الكل يرقص على أنغامها وهو في حالة سُكر وتيهان (للأسف الشديد). فها نحن اليوم نسمع البعض في الدول الأوروبية أيضًا ينسب نفسه إلى أرسطو، وذلك ينسب نفسه إلى نابليون، وأخر لدينا في بعض مناطقنا يقول بأنَّه يرجع في نسبه إلى سُلالة الرسول الأعظم محمد (ص) أو إلى أحد أحفاده الأشراف! والسؤال التلقائي الاستهجاني هنا الذي يتبلوّر في طوره المبدئي: وهل تُوجد في مكاتبنا الوراثية بصمة جينية دقيقة يُعتمَد عليها للرسول (ص)؟!

إلَّا أنَّ زبائن هذا المجال التقني يدفعون مبالغ طائلة فقط من أجل أنْ يعرفون إذا ما كانوا فعلًا يرتبطون في نسبهم ببعض الشخصيات التاريخية المعروفة ذات الحسب والنسب، أو إلى بعض شيوخ القبائل المشهورة التي عاشتْ في الحقب الغابرة، أو إلى بعض المجتمعات العريقة من خلال بعض شخصياتها التي باتتْ تحت التراب من عصور ولتْ واندثرتْ معالمها في الماضي السحيق، علمًا بأنَّ الحقيقة تقول بأنَّ الكثير من هذه الفحوص التجارية لا تستند إلى أدلة علميَّة مُحكمة وموثَّقة ومُعتمَدة حتى الآن. حيث إنَّنا في العموم نستطيع أنْ نضع تصنيفًا عامًا للحقب البعيدة، نُصنِّف من خلاله البشر لمجموعات، لكنَّنا لا نستطيع أنْ نجزم بأنَّنا أحفاد لشخصية عاشتْ قبل مئات السنين إلَّا من خلال توفَّر مادة بيولوجية له أو مكتبة معتمدة يتم الرجوع لها تحتوي معلومات مواده الوراثية. وكلا الأمرين غائبين بالنسبة للكثير من الشخصيات القديمة، كَالأنبياء والأوصياء وغالب رجالات التاريخ القديم الذين لم نعرفهم إلَّا عبر تُراثهم المعرفي.

حيث إنَّ كميَّة الـ د. ن. أ. (DNA) التي يرثها الشخص من أقاربه لا تتعدَّى في بُعدها التحليلي - في التشخيص الوراثي المعتمد على الميتوكندريا مثلًا - إلَّا بضع خطوات فقط على شجرة نسبه العائلي، ومن بعدها تُصبح غير مُعتمدة بسبب كمية الِـ د. ن. أ. (DNA) التي تبدأ في الظهور كمواد وراثية يشترك فيها غالبنا (إنْ لم نكن كُلُّنا)، والتي تُظِهرُنا جميعًا كأبناء عمومة. إذًا هذا بالنسبة لفحوص الميتوكندريا التي يُوجد بها موروث جيني قابل للتحليل، فَلاحظ جيدًا. ولكن بالنسبة لفحوص الواي كروموسوم الذكري المأخوذة موادها البيولوجية الخام من النواة)، التي تسعى لمطابقة البصمات أو المجموعات الجينية (haplogroups) المُتعدِّدة، فهي دقيقة ولكنَّها غير مكتملة القواعد البيانية وستدخلنا في لعبة الاحتمالات خصوصًا بعد أنْ يبتعد النسب ونغوص في أعماق التاريخ، والتي هي أيضًا (على عكس فحوص الميتوكندريا) مخصصة فقط للذكور، لأنَّ الأنثى لا تحتوي على الواي كروموسوم؛ وإذا ما أرادتْ الأنثى أنْ تقوم بهذا الفحص فإنَّها لا بُدَّ أنْ تعتمد حينها على أخٍ لها أو أبٍ يقوم بإجراء التحليل نيابةً عنها.

ومجمل الكلام السابق يعني: بأنَّ أي نسَب يتم تعريفه بواسطة الفحوص الجينية البسيطة - في معرفة الأصول النسبية البعيدة - هي فقط واحدة من الطرق التي تندرج تحت قائمة عشرات الطرق المُستخدمة في تفسير النسب والانتماء (وذلك لعدم اكتمال المكتبات الوراثية)؛ ولا يجوز الاعتماد عليها لوحدها. وحتى يتمكَّن الإنسان من مُتابعة نسبه وانتمائه البعيد (الذي يريد من خلاله الحصول على السيادة والشرف) من خلال جيناته فإنَّه سيتيه وسيدخل في مغارات مُظلمة لن توصله إلى مُبتغاه (حيث سيجد نفسه أمام احتمالات غير دقيقة). ولو أردا أنْ يُدغدغ مشاعره ببعض النتائج التي ترتكز على بعض التحاليل المُتأرجِّحة (مثل فحوص الميتوكندريا)، فإنَّه يستطيع حينها أنْ ينسب نفسه لمن يشاء لأنَّه سيجد نوعًا من التشابه مع من يبتغي، ولو أراد أنْ يكون حفيدًا للإسكندر المقدوني فضمانة تحقيق طلبه يستطيع الحصول عليها من الآن، وقبل أنْ يقوم بإجراء التحليل!

ومع العلم من كل هذا، فإنّ فحوص الجينات الخاصة قد أصبحتْ تجارةً مربحةً في السنوات الأخيرة عند الكثير من الشركات التي تسوِّق لها، والتي تدَّعي بأنَّها تستطيع أنْ تتعرَّف على نسب الإنسان وعرقه الأصلي الذي يرجع فيه لشخصية محددة ضاربة جذورها في القدم، كالملكة كيلوبترا مثلًا، أو بعض القادة التاريخيين، أو بعض أساطين العلم والرقي من الذين تُمجِّدهم المكتبات العلمية وترفع من شأنهم، أو لشيخ تلك القبيلة العربية الأصيلة، أو حتى للرسول الأعظم (ص) أو أحد أحفاده الأشراف إذا ما أراد ذلك، بل وأنَّ الحبل من بعد ذلك هو على الجرَّار في تحديد الوجهة التي يرغب أنْ يكون ذلك الشخص حفيدًا لها!

وللتأكِّد، فإنَّه في عام 2012م، وبينما كنت حينها في أوروبا، كنت أراجع بيانات أحد مواقع شركات تحديد النسب، فذُهلت من الأرباح التي حقَّقتها في ذلك العام لوحده. حيث تقوم مثل هذه الشركات بتوفير مجموعة من الفحوص للزبائن المتهافتين عليها من كل حدب وصوب (منهم الكثير من العرب وللأسف الشديد). حيث يُخبرُني أحد الزملاء الإنجليز بالأعداد الهائلة من العينات التي تصلهم من الدول العربية، سِيَّمَا الخليجية من أجل معرفة أنسابهم التاريخية.

بل أنَّ الأغرب هو كثرة النزاعات التي بدأت تدك حصون القبائل والأُسر العربية في الجزيرة العربية قاطبةً جراء نتائج الـ د. ن. أ. (DNA) التي يعتقدون بأنَّها قطعية في تحديد نسبهم لبعض الشخصيات القديمة التي عاشتْ قبل مئات السنين؛ ولكنَّى لا أقول إلَّا: "شرُّ البليَّة ما يُضحِك"؛ وَ "يا أُمةً ضحكت من جهلها الأمُمُ"!

فإذا دخلنا في لعبة الإثبات، فإنَّ باب الدخول في لعبة النفي سينفتح على مصراعيه أيضًا وسيبقى مُشرَّعًا هو الأخر لِمن هب ودب؛ وستبدأ من بعدها النزاعات. وهو الأمر الذي حدث بالفعل في بعض المناطق القبلية العربية إلى الحد الذي رُفع فيه السلاح!

بل أنَّ التحذير من عدم دقة هذه الفحوص على النحو القطعي الكامل (في حال غابت المواد البيولوجية من الطرفين) قد تم الإشارة له من قِبَل معسكر مجموعة "إدراك العلم" (Sense About Science)، الذين يذكرون في معرض كلامهم: "بأنَّ هذه المُتابعات التاريخية هي إمَّا عامة بحيث إنَّها على المستوى الشخصي عديمة المعنى، أو أنَّها مُجرَّد تخمينات تمَّ الحصول عليها من أدلة ضحلة للغاية". ولقد تم دعم هذا التحذير بمجموعة من الإشارات التي قدَّمها أيضًا العديد من الزملاء الخبراء في هذا المجال.

وفي هذا الشأن يذكر البروفيسور الفخري للوراثة الإنسانية ستيف جون من جامعة كلية لندن في توصيفه لفحوص الميتوكندريا على وجه الخصوص: "عند المتابعة الطويلة عبر التاريخ، نستطيع أنْ نتتبع، الأبوين، ومن ثَمَّ الأربعة الأجداد، ومن بعدها وأنت تتابع ستجد بأنَّ كل الناس ستفقد أنسابها بشكل تدريجي، وبأنَّها كُلها ستتشابه من بعد ذلك إلى حدٍ كبيرٍ؛ لهذا، فإنَّ كل بريطاني (حيث إنَّه كان حينها يتحدَّث إلى الشعب البريطاني على وجه الخصوص) سيكون حفيدًا لأحد حشود المحاربين، ولأحد جحافل الرومان، وللأفريقيين المُهاجرين، ولأحد الطبقات العليا الهندية، ولأي نسب أخر يرغب فيه، كُلُّه في آنٍ واحدٍ". وأنا أضيف على كلام ستيف جونز، بأنَّ البريطاني لو أراد أنْ ينسب نفسه من خلال هذا الفحص لسُلالة النبي الأشرف (ص) - كما قالوا في موضوع الملك إليزابيث مؤخَّرًا حينما نسبوها له (ص) - فإنَّه سيتمكَّن من إيجاد خيوط لذلك النسب، بسبب غياب الدقة في هذا الفحص الميتوكوندريي.

ويقول البروفيسور مارك توماس: "إنَّ هذه الادعاءات عادةً ما تُزرع بواسطة الشركات التجاريَّة التي تقوم بعمل ما تُطلِق عليه بِـ (فحوص معرفة الأصل والانتماء)، والتي هي في الواقع غير مدعومة بواسطة النشرات العلميَّة المُحكَمة؛ وهي تجارة، اسمها: (تجارة التنجيم الجيني). والسبب في ذلك هو أنَّ المكتبات الوراثية غير مكتملة ولا يمكن الاعتماد عليها، بل أنَّها مُتغيِّرة بين الشركات".

وتضيف مديرة "إدراك العلم" تريسي براون على ما ورد أنفًا من قبل المعسكر الذي تُشرِف عليه: "إنَّ باحثو علوم الجينات يُخبروننا بأنَّه سيكون أفضل لك أنْ تُنقِّب في خزانة بيتك وفي أوراقك الثبوتية، إذا ما أردتَ أنْ تعرِف شجرة عائلتك، من أنْ تقوم بعمل فحوص النسب من خلال الجينات، هذا إذا كنت بالفعل جادًا في الحصول على نتائج دقيقة".

وهنا أضيف بأنَّنا جميعًا - بصفتنا متخصِّصين في هذه الدائرة المعرفية الجينية وسائر الزملاء نُحيط تمامًا بمناطق الضعف في فحص الـ د. ن. أ. للميتكوندريا وفحوص الواي كروموسوم الذكري، سواء كانت من نوع (SNPs) أو من نوع (STRs)، التي تسعى لمطابقة البصمات أو المجموعات الجينية (haplogroups) المُتعدِّدة (كما جاء توضِّيحه في الفقرات الآنفة الذكر)، ومُطلعين على المكتبات الوراثية، ونعلم بطبيعة التأرجّح والعجز الذي تعاني منه بسبب عدم اكتمالها، ونعلم تمامًا أيضًا بما تقوم به الشركات العالمية وبعض المستفيدين في مجتمعاتنا العربية من فحوص؛ بل ومطّلِعين كذلك على ما يذكره البعض وللأسف الشديد في مناطقنا من الذين تورطوا في الدخول في هذه المغارات المظلمة من تبريرات أمام غير المتخصصين.

وللتأكيد مرةً ثانية، فإنَّ التكنولوجيا الجينية يمكن أنْ تُخبرنا عن الحمض النووي المأخوذ من الناس الذين هُم على قيد الحياة في أجزاء مختلفة من العالم أو حتى من الأشخاص الذين رحلوا عن هذه الدنيا وتوجَد لهم مواد بيولوجية محفوظة. وذلك لأنَّه في الآونة الأخيرة، أحرز العلم تقدم مثير في استعادة الحمض النووي من مواقع الدفن القديمة، وهو ما ساعد على بناء بعض المكتبات الوراثية (ولكن بِصورة غير كاملة)، إلَّا أنَّ الصواب يبقى دائمًا: أنْ نعرف أنَّ كل الاستنتاجات التي تُحلِّل الماضي غير الموجود بيولوجيا والبعيد عن الحمض النووي المُستهدف يتطلَّب الدخول في لعبة: الافتراضات، واستخدام النماذج الرياضية، والاستعانة بمجالات أخرى مثل علم التاريخ وعلم الآثار ودراسات الجغرافيا التاريخية والمناخ وحركة المهاجرين بين الدول.

وصحيح بأنَّ التكنولوجيا الجديدة قد سارعتْ في عملية التوليف الجيني ودراسة تسلسل الحمض النووي في الكثير من المجالات، وعملتْ على ادخال النماذج الإحصائية المُحَسنَّة المتقدمة، ولكنَّ الاستنتاجات (وهي نقطة مهمة): لا تزال بحاجة إلى أنْ تكون مصحوبة بتحذيرات بسبب الافتراضات والتقريبات التي أجريتْ، وتقييمات عدم اليقين. وما أعنيه (كما ذكرتُ في بداية حديثي) هو: أنَّنا نستطيع مثلًا أنْ نُقسِّم البشر في العموم إلى مجموعات تصنيفية اعتمادًا على هذه الفحوص، ولكنَّنا لا نستطيع الجزم من خلالها (حتى لو كانت من نوعية فحوص الواي كروموسوم) بانتساب أحدهم بشكل مباشر لشخصية تاريخية بعينها عاشتْ في عصور أكل الزمان عيها وشرب في حال غياب أي أثر بيولوجي فعلي لها، كقولنا مثلًا بأنَّه حفيد للرسول (ص) أو لأحد أحفاده الأشراف اعتمادًا على مثل هذه الفحوص. حيث إنَّ من يقول بهذا قد دخل حتمًا في لعبة الاحتمالات والتخمينات. هذا فضلًا عن أنَّ هذا النوع من النسب ترفضه كل الجهات المرجعية التشريعية، ويكفي هنا (لمن يرى الدين بالنسبة له قاعدةً يرتكر عليها) الإطلاع على الفتاوى المُتعدِّدة من مختلف المرجعيات الدينية التي وردتْ في هذا الشأن، والتي أخذتْ النسخ المطبوعة منها تصول وتجول بين أروقة وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى كل حال، ففي الوقت الذي نرى فيه العالم الغربي يقوم بهذه النوعية من الفحوص من باب الفضول والطرفة، تُبنى على نتائجها في مناطقنا العربية منظومات من الوهم الاجتماعي وتسقط أُخرى. وبالمناسبة، سنجد البعض يُزايد على هذا الموضوع وإنْ وُضِعت الشمس في يمينه والقمر في شماله (وذلك لأنَّه - باختصار - مُستفيد!). وأنَّ كل من يتحَّدث عن فحوص مُخصَّصة كـ الواي كروموسوم بتقنية معينة كـ (SNPs) أو غيرها، هو حتمًا غير مطلع على الأساليب التي تقوم بها الجهات البحثية في علوم الأنثرولبيوجيا عند دراستها للتفرعات البيولوجية وتوزُّع البشر على الكرة الأرضية عند تحريها للدقة العالية وهي تنسب أحد ما لشخصية ما عاشت في الحقب التاريخية التي أصبحت معالمها متاحفًا لِلسواح!

وللتأكِّيد، فأنَّ هذا الموضوع الذي قد يتحسَّس منه البعض، قد جاء في ظل التهريج الذي وقع مؤخّّرًا في أوساط المُجتمعات العربية قاطبةً (فهو لا يرتبط بمنطقة دون غيرها)، في تحديد انتاسبهم لشخصيات تاريخية بالاعتماد فقط على "التنجيم الجيني" والمتاجرة بالمشاعر.

وفي الأخير لا يسعنى المجال إلَّا أنْ أنهي كلامي بالقول: "بأنَّنا واقعًا لا نحتاج لنتيجة الـ د. ن. أ. (DNA) ليزداد حسبنا ونسبنا وانتمائنا، بل إلى قلب طاهر وتقوى ليكرمنا الله". مصداقًا لقوله عَزَّ وجَلَّ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

_______________________________________________

مواضيع ذات صلة
أكتوبر 04, 2017
قراءة المزيد
الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017
السبت، 9 سبتمبر 2017
بقعة ضوء

البرص



بخصوص المقطع الذي يتحدَّث عن ضرورة التخلّص من الوزغ (البرص) كونه يحمل بكتيريا ممرضة: -
أبيِّن بأنَّ الموضوع في أساسه قد جاء - في النشرات العلمية - مستهدفًا من يربّون الوزغ بهدف المتعة بالدرجة الأولى، حيث أنَّ تربية الزواحف من أجل تسلية الأطفال تنتشر في الدول الغربية. وأمَّا القول بأنَّ النشرات تدعو للقضاء على هذه النوعية من الكائنات فهذا غير صحيح، وإنَّما الدعوة هي: ضرورة تركها وشأنها في بيئاتها الخاصة بها والابتعاد عنها وعدم تربيتها.

وللتوضيح، فإنَّ معظم الزواحف والكثير من البرمائيات تحمل نفس الأخطار البكتيرية سواء كانت سلاحف أو ضفادع أو حَرَابِيّ أو أفاعي.
سبتمبر 09, 2017
قراءة المزيد
الجمعة، 8 سبتمبر 2017
بقعة ضوء

الموز ذو البقع السوداء



بخصوص البقع السوداء الموجودة على الموز فهي بقع طبيعية ووجودها في غالب الأوقات هو وجود مُتوقع. أمَّا بخصوص انتقاء البعض لحالات نادرة جدًا يتصف الموز فيها ببقع سوداء سبّبتها عناكب تعيش في بعض الغابات النائية وتخويف الناس منها ومن ثَمَّ التعميم على كل الموز ذي البقع السوداء على أنَّه ضار، فهو تعميم في غير محلة ولا يجوز الاعتماد عليه.
سبتمبر 08, 2017
قراءة المزيد
الثلاثاء، 22 أغسطس 2017
السبت، 12 أغسطس 2017
الأربعاء، 9 أغسطس 2017
الخميس، 3 أغسطس 2017
تحقيقات ومراجعات بحثية

بدائل السُكَّر المُحلِّية.. أمنة أم لا؟


تُفضي نتائج بعض الدراسات إلى أنَّ بدائل السُكَّر المُحلِّية (التي من أهمها: أسبرتام المصنوع من الحوامض الأمينية كحامض الأسبارتيك ومادة الفينيلالاناين والذي مذاقه أكثر حلاوة من السُكَّر الصناعي بـ 200 مرة تقريبًا ولكن بسعرات حرارية أقل منه بكثير والذي يعدُّ الأشهر سمعةً والأكثر استحواذًا على العناوين الجدلية والمخاوف الصحية في هذا الشأن، ونبتة ستيفيا الخالية من السعرات الحرارية والتي مذاقها أكثر حلاوة من السُكَّر الصناعي بـ 300 مرة تقريبًا، وسُكَّرين، وأساسلفيت، وسيكلميز، وساكرالوز (أو سبليندا) المُنشِّط لمستقبلات المذاق الحلو في الفم، وغيرها من مُحلِّيات مُتعدِّدة الأسماء والمصادر والتركيبات البيوكيماوية وميكانيكيات العمل التي لا يسع المجال لتغطيتها بالكامل في هذا الشرح المبني على الاختصار) والتي قد تصل حلاوة بعضها إلى ألاف المرات هي مواد في مُجملها قد تؤدِّي - كما تُشير إليه بعض الدراسات - إلى اختلال تحمُّل الجلوكوز من خلال تغييرها لتركيبة وطبيعية البكتيريا الموجودة في الأمعاء؛ وهو ما يعني أنَّها قد تُمهِّد - بهذه الطريقة - للإصابة بسُكَّري البالغين من النوع الثاني (اعتمادًا على إشارة نفس هذه الدراسات).

وهنا يجب أنْ نلتفت إلى أنْ هذه الإشارة هي إشارة عامة وتتراوح في حدتها بين هذه البدائل المُختلفة.

إذًا، هذا كُلُه على حد إفاضة باحثوا هذه الدراسات التي فتحت الباب على مصراعيه عند بقية الباحثين من أجل تأكيد أو نفي ما تم طرحه من مخاوف في هذه الدائرة المعرفية (علمًا بأنَّ هناك دراسات أُخرى أُجريت في هذا المجال لم تتوصَّل لتأكيد وجود أي علاقة تُذكر بين كل من الإصابة بالسُكَّري من النوع الثاني وتناول هذه المُحلِّيات). وبالمناسبة، لابد من الالتفات مرة ثانية إلى أنَّ هذه البدائل لها تركيبات كيميائية مُختلفة وعملها في الجسم البشري غير مُتشابه.

ويجدر أنْ أذكر لكم هنا بأنَّ الذي كان مُتفق عليه في العقود السابقة (أي قبل إثارة أي مخاوف بشأن هذه البدائل) هو أنَّها آمنة لجميع الفئات، شريطة أنْ تكون في نطاق ما هو منصوص عليه من جرعات يومية تُقدَّر بحدود 40 ملغم لكل كغم من وزن الجسم يومياً (اعتمادًا على الدراسة التي أجرتها الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء)، حيث أنَّ هذه الجرعة قد تختلف مع اختلاف نوع المادة المُحلِّية.

ولقد استحوذت هذه البدائل على سمعة عالية في بداياتها، حتى أنَّ الكثير من شركات المشروبات الغازية الضارة بدأت تنتج صيغ رديفة خالية من السُكَّر ضمن قائمة مشروباتها تحتوي على بعض من هذه المواد أسمتها "دايت" من أجل جذب الزبائن الذين لا يُناسبهم السُكَّر الصناعي ذو السعرات الحرارية. إلَّا أنَّ إثارة المخاوف المُتعدِّدة حول هذه البدائل جعل الكثير من الناس لا يشعرون بنفس الطُمأنينة التي كانت سائدة عندهم في الماضي عند تناولهم لمشروبات الـ "دايت" الغازية التي ضررها - على كل حال - لا ينحصر في وجود السُكَّر فقط.

وهُنا أُبيِّن بأنَّ الميزة التي تتمتّع بها هذه البدائل ألَّا وهي انخفاض أو انعدام السعرات الحرارية فيها من جانب وارتفاع نسبة حلاوتها إلى مُعدَّلات عالية جدًا من جانب آخر جعلت منها قيمة لِمَن يسعون لتقليل استهلاكهم للسُكَّريات الصناعية. إلَّا أنَّ الجدل العلمي الإكلينيكي المطروح في هيئته التنظِّيرية حولها في الدوائر البحثية بدأ يتوسّع ويخرُج من دائرة تأثيره فقط على تركيبة الميكروبات المعوية في الجهاز الهضمي والعبث بتوازنه (وهو عنوان مقلق على المستوى الصحي في حال تم توثيقه بالدليل القاطع) إلى دوائر أوسع بعضها جدليٌ ويتدخل مع بعض المسميات الصحية العويصة (التي لا داعي للحديث عنها هنا كي لا يتوسع النقاش)، ومنها ما هو متداخل مع أصل الحركة الأيضية للسكر والاستفادة خلويا منه كالدائرة التي أخذ النقاش يُلامس فيها حقيقة علاقة حلاوتها العالية بموضوع قدرتها على تحفيز إفراز كميات كبيرة من الأنسولين كما أشار له بعض الباحثين الذين أبقوه ضمن المخاوف الواجب التنبُّه لها (وهي نقطة في غاية الأهمية، على حد قولهم)؛ ولقد أرفقتُ مجموعة من الدراسات التي تدور في فلك هذا الطرح في نهاية هذه المراجعة. وهو ما يعني في حال تم إثباته: زيادة الضغط على العضو المسؤول عن هذا الإفراز ألا وهو البنكرياس. وهُنا لابد من أنْ أؤكِّد بأنَّ هذا الطرح هو ما أفضت له بعض الدراسات الإكلينيكية، ولم يتم دعمها - على نطاق واسع - حتى الآن بواسطة بقية الدراسات الإكلينيكية المُعمَّقة؛ فلاحظ. بل أنَّه في حال تأكَّد تأثير بعض هذه البدائل على إفراز الأنسولين، فإنَّ هذا لن يعني تعميم هذا الطرح على كل البدائل؛ وعلى افتراض تعميمه عليها كُلُّها فإنَّه لن يعني - حينها أيضًا - تساوي هذا التأثير بينها كُلُّها، ولكنه سيبقى ضمن أحد العناوين المُقلقة وغير المُريحة لِمَن يعتمد على مثل هذه البدائل.

وفي الجانب الآخر، أذكر لكم أنَّه في حال تم تأكِّيد ما جاء في الفقرة السابقة (وهو الحال الذي يعكف على دراسته بعض الباحثين)، فإنَّه سيعني أنَّ عدم احتوائها على سعرات حرارية لن يُغني ولن يُسمن من جوع (أي أنَّ السؤال سيكون حينها هو: ما الفائدة من انعدام سعراتها الحرارية في ظل عملها على احداث اضطراب صحي أخر مرتبط بإفراز الانسولين). 

ليس هذا فحسب، بل أنَّ بعضهم يُناقش موضوع: عجز هذه المواد البديلة عن وضع حدٍ لارتفاع مُعدَّل السمنة عند من يعتمدون عليها. أي أنَّ زيادة الوزن عند من يتناولونها (أو لا أقلها عدم تغيِّره) يجعلهم يطرحون الأسئلة الحرجة الآنفة الذكر. بل أنَّ هناك من يُناقش موضوع قدرة هذه البدائل على فتح شهية الشخص - الذي يتناولها - على أكل أغذية بحجم أكبر أو تأثيرها سلبًا على بعض أنظمته الغذائية الصحية، وهو ما يعني زيادة السعرات الحرارية بشكل غير مباشر، ومنه إلى زيادة الوزن.

وبحسب دراسة موسَّعة أخيرة تم نشرها في تموز عام 2017 (موجودة في المرفقات) أفادتْ بأنَّ المُحليِّات كفيلة بالتسبُّب بِمخاطر مُحتملة على القلب والشرايين. ليس هذا فحسب، بل وأنَّها دعمت موضوع أنَّها تزيد الوزن. وهذا الأمر قد ينطبق على بعضها وليس كلها، علمًا بأنَّ إقرار هذا العنوان بصورته الجزمية يحتاج لتوسيع دائرة البحث والدراسة.

إلَّا أنَّي أقول أيضًا: بأنَّ الدراسات البحثية الاكلينيكية التفصيلية الداعمة مطلوبة، دون أنْ نلغي طبيعة المخاوف الواقعة تحت مظلتها (أي حتى يزداد وضوح الخيط الأبيض من الخيط الأسود). 

أمَّا على مستوى توجيهي الشخصي ومن واقع اطلاعي على الكثير من النشرات الداخلة في إطار نفس هذه الدائرة المعرفية، فإنَّي دائمًا ما أقول لكل من يسألني عن البدائل المُحلِّية: بأنَّ الرغبة في تناول الأطعمة والمشروبات الحلوة هو مسألة تعوُّد، وأنَّ وضع حدود لهذه الرغبة من خلال الاستغناء عن السُكَّر بجميع أنواعه (صناعي أو بديل مُحلِّي) وعدم الاعتماد عليه هو مسألة تعوُّد أيضًا. لذا، فإنَّ من يستطيع البدء في تعويد نفسه على تناول أطعمته ومشروباته بدون كل هذه السُكَّريات الصناعية والبدائل المُحلِّية وارتكازه فقط على كل ما هو طبيعي من أغذية في حدود مذاقها الأصلي سيكون - بما لا شك فيه - هو الأمر الأفضل والمنصوح به.

دراسات بحثية تدعم ما جاء في هذه المُراجعة: -


1. Meghan B. Azad, Ahmed M. Abou-Setta, Bhupendrasinh F. Chauhan, Rasheda Rabbani, Justin Lys, Leslie Copstein, Amrinder Mann, Maya M. Jeyaraman, Ashleigh E. Reid, Michelle Fiander, Dylan S. MacKay, Jon McGavock, Brandy Wicklow and Ryan Zarychanski. Nonnutritive sweeteners and cardiometabolic health: a systematic review and meta-analysis of randomized controlled trials and prospective cohort studies. CMAJ July 17, 2017 189 (28) E929-E939; DOI: https://doi.org/10.1503/cmaj.161390

2. Kirtida R. Tandel. Sugar substitutes: Health controversy over perceived benefits. J Pharmacol Pharmacother. 2011 Oct-Dec; 2(4): 236–243.

3. Chattopadhyay S, Raychaudhuri U, Chakraborty R. Artificial sweeteners - a review. J Food Sci Technol. 2014 Apr; 51(4):611-21.

4. Bär A, Biermann C. Intake of intense sweeteners in Germany. Z Ernahrungswiss. 1992 Mar; 31(1):25-39.

5. Renwick AG. The intake of intense sweeteners - an update review. Food Addit Contam. 2006 Apr; 23(4):327-38.

6. Qurrat-ul-Ain, Khan SA. Artificial sweeteners: safe or unsafe? J Pak Med Assoc. 2015 Feb; 65(2):225-7.

7. Subedi B, Kannan K. Fate of artificial sweeteners in wastewater treatment plants in New York State, U.S.A. Environ Sci Technol. 2014 Dec 2;48(23):13668-74.

8. Lange FT, Scheurer M, Brauch HJ. Artificial sweeteners--a recently recognized class of emerging environmental contaminants: a review. Anal Bioanal Chem. 2012 Jul; 403(9):2503-18.

9. Artificial sweeteners: no calories...sweet! FDA Consum. 2006 Jul-Aug; 40(4):27-8.

10. Feijó Fde M, Ballard CR, Foletto KC, Batista BA, Neves AM, Ribeiro MF, Bertoluci MC. Saccharin and aspartame, compared with sucrose, induce greater weight gain in adult Wistar rats, at similar total caloric intake levels. Appetite. 2013 Jan; 60(1):203-7.

11. Foletto KC, Melo Batista BA, Neves AM, de Matos Feijó F, Ballard CR, Marques Ribeiro MF, Bertoluci MC. Sweet taste of saccharin induces weight gain without increasing caloric intake, not related to insulin-resistance in Wistar rats. Appetite. 2016 Jan 1; 96:604-10.

12. Glendinning JI. Do low-calorie sweeteners promote weight gain in rodents? Physiol Behav. 2016 Oct 1; 164(Pt B):509-13.

دراسات بحثية تدور في فلك علاقة المُحلِّيات باحتمالية زيادة الإنسولين في الدم: -


13. Liang Y, Steinbach G, Maier V, Pfeiffer EF. The effect of artificial sweetener on insulin secretion. 1. The effect of acesulfame K on insulin secretion in the rat (studies in vivo). Horm Metab Res. 1987 Jun;19(6):233-8.

14. Liang Y, Maier V, Steinbach G, Lalić L, Pfeiffer EF. The effect of artificial sweetener on insulin secretion. II. Stimulation of insulin release from isolated rat islets by Acesulfame K (in vitro experiments). Horm Metab Res. 1987 Jul;19(7):285-9.

15. Liang Y, Steinbach G, Maier V, Pfeiffer EF. The effect of artificial sweetener on insulin secretion. 1. The effect of acesulfame K on insulin secretion in the rat (studies in vivo). Horm Metab Res. 1987 Jun;19(6):233-8.

16. Just T, Pau HW, Engel U, Hummel T. Cephalic phase insulin release in healthy humans after taste stimulation? Appetite. 2008 Nov;51(3):622-7. doi: 10.1016/j.appet.2008.04.271. Epub 2008 May 10.

17. Anton SD, Martin CK, Han H, Coulon S, Cefalu WT, Geiselman P, Williamson DA. Effects of stevia, aspartame, and sucrose on food intake, satiety, and postprandial glucose and insulin levels. Appetite. 2010 Aug;55(1):37-43. doi: 10.1016/j.appet.2010.03.009. Epub 2010 Mar 18.

18. Carlson HE, Shah JH. Aspartame and its constituent amino acids: effects on prolactin, cortisol, growth hormone, insulin, and glucose in normal humans. Am J Clin Nutr. 1989 Mar;49(3):427-32.

19. Pepino MY, Tiemann CD, Patterson BW, Wice BM, Klein S. Sucralose affects glycemic and hormonal responses to an oral glucose load. Diabetes Care. 2013 Sep;36(9):2530-5. doi: 10.2337/dc12-2221. Epub 2013 Apr 30.

20. Suez J, Korem T, Zeevi D, Zilberman-Schapira G, Thaiss CA, Maza O, Israeli D, Zmora N, Gilad S, Weinberger A, Kuperman Y, Harmelin A, Kolodkin-Gal I, Shapiro H, Halpern Z, Segal E, Elinav E. Artificial sweeteners induce glucose intolerance by altering the gut microbiota. Nature. 2014 Oct 9;514(7521):181-6. doi: 10.1038/nature13793. Epub 2014 Sep 17.

21. Pepino MY, Bourne C. Non-nutritive sweeteners, energy balance, and glucose homeostasis. Curr Opin Clin Nutr Metab Care. 2011 Jul;14(4):391-5. doi: 10.1097/MCO.0b013e3283468e7e.

22. James P, McFadden R. Understanding the processes behind the regulation of blood glucose. Nurs Times. 2004 Apr 20-26;100(16):56-8.

23. Bonadonna RC, De Fronzo RA. Glucose metabolism in obesity and type 2 diabetes. Diabete Metab. 1991 May;17(1 Pt 2):112-35.

24. Newsholme EA, Dimitriadis G. Integration of biochemical and physiologic effects of insulin on glucose metabolism. Exp Clin Endocrinol Diabetes. 2001;109 Suppl 2:S122-34.


روابط ذات صلة
أغسطس 03, 2017
قراءة المزيد
الاثنين، 3 يوليو 2017
بقعة ضوء

هل السعال يُنقِذ الإنسان من النوبة القلبية؟



الكلام المتداول بخصوص: "أنَّ السعال المُتعمَّد والمتواصل والعميق يُنقِذ الإنسان من مضاعفات النوبة القلبية إذا شعر الإنسان بأعراضها وهو لوحده" هو كلام غير صحيح وأعدّه من قبيل تهريج وسائل التواصل الاجتماعي وفيه خلط للحابل بالنابل، لعدة أسباب من أهمها: -
  • أنَّ إنعاش القلب بالسعال لا يتم والإنسان في وعيه؛ لأنَّ إنعاش القلب يتم في حال توقّْف القلب عن النبض. ولابد من الانتباه من أنَّ هناك فرق بين النوبة القلبية وتوقف نبضات القلب، وأيضًا هناك فرق بين الإنعاش الذي يُسمَّى بالانعاش القلبي والرئوي (CPR) وانعاش الدورة الدموية من أجل تدفق الدم للدماغ عن طريق السعال.
  • أنَّ إنعاش القلب بالسعال يُستخدَم تحت توجيه الطبيب (في المستشفى فقط وليس في المنزل) في حالات مُحدَّدة جدًا من أهمها: أنَّه (مثلًا) إذا حدث عند قسطرة القلب اضطراب مُفاجئ في دقات القلب والمريض في وعيه، فيطلب الطبيب حينها من المريض السعال العميق من أجل دفع الدم لفترة وجيزة (من دفيقة إلى دقيتين فقط) للدماغ حتى لا يدخل في غيبوبة.
وعلى كلٍ فالكلام أعلاه هو بحسب نصوص الجمعية الأمريكية للقلب (AHA)، وغيرها من جمعيات ومؤسسات قلب عالمية.

وهنا أقول: "أنَّه من المعيب أنْ يُنسَب الكلام الذي جاء في المنشور المغلوط لأحد الأطباء، أو يتم تعليمه للناس في دورات الانعاش القلبي والرئوية العامة، خصوصًا وأنَّه يؤسِّس لمفاهيم خاطئة بين الناس تتعلق بلحظات مصيرية في حياتهم".

أمَّا الصحيح في حال شعر الإنسان بعلامات النوبة القلبية وهو لوحده (كألم الصدر أو صعوبة التنفس وغيرها من علامات احتمال حدوث نوبة فلبية) هو: "مخاطبة الأسعاف فورًا".

يوليو 03, 2017
قراءة المزيد
الاثنين، 26 يونيو 2017
السبت، 24 يونيو 2017
الجمعة، 23 يونيو 2017
الخميس، 22 يونيو 2017
الأربعاء، 21 يونيو 2017
الثلاثاء، 20 يونيو 2017
الاثنين، 19 يونيو 2017
بقعة ضوء

هل تحديد الفئات المُستهدَفة بلقاح الإنفلونزا له أبعاد دراسية؟



مُقدِّمة


في هذا التوضيح الذي جاء جوابًا على أحد التساؤلات حول الموضوع عنوان القضية، سأبدأ بمقدمة سريعة (من أجل أن تكون قاعدة ارتكازنا صلبة)، ألا وهي: "بأنَّ البعض وللأسف الشديد يجلب أحيانًا تعليقات منقولة عن أشخاص مجهولي الأسماء والصفات الوظيفية؛ وهو أمر غير عملي".

وهنا لابد من الإشارة إلى أنَّه في الدور الأكاديمية التي تبحث عن إجابات واقعية لأسئلة حرجة تُقدَّم الاستفسارات في مرحلة ثانية بعد تعريف الشخص بنفسه أولًا (وهذا هو منهج النقاش العلمي)، بحيث أنْ تُقدَّم بشكل مباشرةً (دون الاختباء وراء أستار أسماء مُستعارة أو أشخاص آخرين). فتأطير أي نقاش لابد وأنْ يكون بتعريف هوية السائل. وإذا كان السائل يتعمد إخفاء هويته فهذه مشكلة أُخرى.

وبالمناسبة جرت العادة ألَّا أعلُّق على الومضات الطبية الرمضانية بسبب انشغالي الشديد (التي أعدَّها خُلاصات لدراسات مُعَمَّقة وتحقيقات ومراجعات علمية استغرق بعضها أسابيع إنْ لم تكن شهورًا من أجل الوقوف على خُلاصاتها المصوَّرة في زمنها القصير)؛إلَّا أنَّي سأعدُّ هذا الرد استثناءً لأنَّه يُلامس بعض النقاط الجوهرية المُرتبطة بالكيفية التي على أساسها يُبنى الحوار العلمي.

ومن أمثلة ذلك ما أشار له أحد المُتابعين، الذي أرسل قائلًا: بأنَّ أحدهم قد طرح معارضته في إحدى المجموعات الخاصة، مُعلِّقًا: بأنَّ ما جاء في الومضة الطبية 23، المُعنونة بـ: "هل انت مقتنع بتطعيم كل فئات المجتمع بلقاح الإنفلونزا؟" هو مجرد رأي شخصي ومُخالف للدراسات والبحوث العلمية (التي أشار المُداخل إلى إحداها، وهي الدراسة المنقولة عن الأمريكية كريستين نيكول التي تم أجراؤها في عام 2001م، والتي تؤيِّد فيها تطعيم كل فئات المجتمع). ويُضيف على ذلك في تعليقه: بأنَّ التطعيم الجماعي الذي يستهدف كل فئات المجتمع كفيل بالحد من الكلفة الاقتصادية الناتجة من تنويم غير المطعمين في المستشفيات عند إصابتهم بمرض الإنفلونزا، واصفًا ذلك الإجراء بـ: "مناعة القطيع". ولقد اشار أيضًا إلى أنَّه لم يفهم منطلقات الحلقة المُتعلِّقة بموضوع أهمية تحديد هوية من هم المستهدفين بلقاح الإنفلونزا الأساسيين. هذا كله على حدِ قوله. .

وحتى تكتمل الصورة وتتضح معالمها، فإنَّه لابد من سرد بعض النقاط المهمة: -


أولًا: أُبيِّين بأنَّ حديثي في هذا الشأن ليس وليد اليوم، ولقد ناقشته بعمق في أكثر من مناسبة ومنذ أكثر من 15 سنة، ولي كتاب كامل في هذا المجال يُناقش موضوع لقاح الإنفلونزا بشكل مباشر.

ثانيًا: لقد ركَّز المُداخِل على موضوع الموازنة الاقتصادية بطريقة تظهر لنا بأنَّه قد أجر حساباته الدقيقة في هذا الشأن فيما يتعلَّق بمجتمعاتنا العربية عمومًا والخليجية خصوصًا بشكل دقيق. وأنا هنا أكتفي بعدم التعليق، لأنَّي أيضًا أبن المؤسسات الصحية ومن ضمن ما أُغطِّيه فيها: الأمراض الفيروسية. ولكنِّي أسأله: لماذا لم تقم بقية الدول المُتَقدِّمة التي أزوروها أنا شخصيًا باستمرار (ويزورها الجميع) واتواجد في مستشفياتها بين الفينة والأُخرى بتطبيق ما اسماه هو بـ (مناعة القطيع!) المُتعلِّقة بموضوع الإنفلونزا على وجه الخصوص؛ وهي دول تُعدُّ أكثر عرضةً للإصابة بالإنفلونزا بسبب أجوائها الباردة جدًا، عند مُقارنتها بمناطقنا الحارة. وبالمناسبة أنا هنا أتحدَّث عن عشرات الدول. فهل خانتهم النتائج الحسابية! أم أنَّهم نسوا تطبيق هذا الإجراء على جميع الفئات والشرائح!
ومع العلم من كل هذا هناك دارسات عديدة توضِّح بأنَّ العبء المالي الذي يتحدَّث عنه الكثير، لم يتكمن اللقاح من مُعالجته، ومنها (مثلًا لا حصرًا): -
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/11015795

ثالثًا: لقد استخدم المُداخِل مصطلح "مناعة القطيع" وأراد تطبيقه على موضوع الإنفلونزا (على غرار ما يتم تطبيقه في بعض الآفات الميكروبية). وهو منزلق لم يُغطِّي فيه المُداخل - كما يتضح - الجوانب النظرية، فضلًا عن عدم تغطيته فيه للجوانب التطبيقية. وللأسف فإنَّ نقطته هذه بها مجموعة من الثغرات التي لا يسع المجال لتغطيتها في هذه العجالة، وهي تكشف لي لحد ما أنَّه بعيد عن دائرة المعارف المُرتبِطة بالمراض المُعدية ومكافحة العدوى ومُستلزماتها.

رابعًا: لقد استشهد المُداخِل بدراسة قد اُجريت قبل حدود 16 سنة، واراد أنْ يوضح لنا من خلالها بأنَّ تقديمه لها هو تقديم مبني على دراسات موثَّقة. ولقد نسي بأنَّنا نحن أيضًا أبناء مدرسة البحوث الإكلينيكية ونعلم ما نقول في هذا المجال جيدًا. وأنا هنا لست بصدد تشريح الدراسة التي قدَّمها والعيوب التي تشوبها ومدى ثقلها العلمي وغيرها من أمور جوهرية يفهمها الباحثون الإكلينيكيون. ولكنِّي أسأله: هل اطلع على بقية الدراسات التي ناقشت زوايا لقاح الإنفلونزا بكاملها؟ ومنها مثلًا لا حصرًا: هل اطلع على الدراسة - التي أصفها بالـ (meta-analysis) - والتي غطّت نقاط جوهرية في هذا المجال وناقشت موضوع عدم فعالية لقاح الإنفلونزا عمومًا وعدم جدواه عند تطعيم شرائح المجتمع المختلفة خصوصًا؟ والموجودة على الرابط التالي: -
http://www.medscape.com/viewarticle/734387

خامسًا: على العلم من ضخامة الدارسة الواردة أعلاه، إلّا أنَّي لم استشهد بها أو بأمثالها (وهي كثيرة) عند حديثي في الومضة؛ ولقد طرحتها هُنا من أجل توضيح ما نرتكز عليه من دلائل وبراهين (لا تستحملها ومضة طبية أو مقال قصير). بل وأنَّي ارتكز على مقارنة دراسات لقاح الإنفلونزا في طرحي عمومًا، لعلمي بعدم عدالة هذا الأمر الذي تحكمه معايير مُتعدِّدة. وأنا هنا أكتفي بنقل عبارة من عبارات الـ (CDC) التي جاءت في بنودها التوضيحية بشأن لقاح الإنفلونزا والتي ترى فيها أنَّه ليس من الإنصاف مقارنة بعض الدراسات التي تعنى بموضوع لقاح الإنفلونزا مع بعضها الآخر. وهذا الأمر يعني أنَّ استشهاد المُداخِل بالدراسة التي جاء بها هو استشهاد "ركيك"، خصوصًا وأنّه يُناقش محاور اقتصادية لبيئات تطبيقية مُختلفة عن بيئتنا، وبين أجوائها وبقية مكوناتها وبين ما نحن عليه من بيئات محلية بون شاسع: -
Each season researchers try to determine how well flu vaccines work to regularly assess and confirm the value of flu vaccination as a public health intervention. Study results about how well a flu vaccine works can vary based on study design, outcome(s) measured, population studied and the season in which the flu vaccine was studied. These differences can make it difficult to compare one study’s results with another’s. (CDC)

سادسًا: لابد أنْ نعرف أنَّ لقاح الإنفلونزا غير النشط (وأعني الحقنة) هو لقاح مناسب لجميع الإعمار المحتاجة له، وهو يختلف عن اللقاح المُضعَّف (اي البخاخ) في هذه النقطة. وهنا لابد من الالتفات لعبارة "المحتاجة له" التي وردت في الجملة السابقة. ومن هنا يأتي نقاش الدوائر البحثية حول احتياج أصحاء المؤسسة العلاجية التي تحتك بالمرض وتلك التي لا تحتك بالمرضى (هل هو ضروري لهم أم لا؟). وهؤلاء الفئة من الأصحاء يختلفون عند التصنيف عن فئة أصحاء المجتمع الذين لا يحتكون بالمرضى. وهو الأمر الذي تم نقاشه في أكثر من مناسبة حتى مع كريستين نيكول نفسها صاحبة الدراسة أعلاه (التي استشهد بها المُداخِل)، بل ويتم نقاشه بشكل مستمر على طاولات المؤتمرات.

سابعًا: إنَّ من الأمور المُغيّبة عن الكثير أمر "توافق اللقاح (match) وحسن التخمين فيه". وهو أمر عويص ويحتاج للكثير من النقاش ويفهمه العاملون في مراكز البحوث الإكلينيكية الفيروسية التي تعنى باللقاحات. بل أنَّه الأمر الذي تتحدث الدراسات باستمرار عن صعوبته. وهو أيضًا من المحاور التي تجعل من لقاح الإنفلونزا في الكثير من الأحوال غير فعَّال. وهنا - مثلًا - أدعو من يرغب في التوسف في هذا المجال للاطلاع على الدراسة التالية وما جاء على شاكلتها من دراسات موضوعية، التي تحاور هذه زوايا وخبايا هذه النقطة: -
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3994812/

ثامنًا: لابد أنْ أذكر قبل الختام بأنَّي لا أتذكر أنَّي اتكأت على أرائي الشخصية في مثل هذه الأمور. ولو قدَّمت خلاصة معينة في ومضة سريعة معتمدة على ما اطلعت عليه من زوايا علمية مُتعدِّدة، فهذا ليس بغريب؛ وهذا ناتج من طبيعة عملي في مجالات الفارماسيتوكال والمضادات الطبيعية ذوات الخواص السميِّة الميكروبية (التي من ضمن أعمال بعضها اللقاحات)، والتي تشمل مهامها الاستهداف العلاجي للكثير من الميكروبات، ولقد دخلت في عمق موضوع زراعة فيروس الإنفلونزا في المراكز البحثية خلال سنين مضت.

تاسعًا: لابد أنْ نُميِّز ما بين شخصية الباحث الإكلينيكي المالك للأدوات التحقيقية البحثية الكفيلة بالإجابة على الأسئلة الحرجة والذي جزء كبير من اهتماماته وعمله يعنى بالأبحاث والدراسات الطبية الإكلينيكية، وبين الطبيب المحكوم فقط بتطبيق البروتكولات العلاجية ضمن نطاق ممارسة إكلينيكية تخصصية مُحدَّدة. فالأول دائرة تغطيته المعرفية تعنى بالتنقيب بحثيًا ودراسيًا عن أصول حلول المُشكلات اعتمادًا على الأدوات البحثية التي امتلكها خلال رحلته العلمية، والأخر يعنى بتطبيقها على المرضى والتعامل معهم وعلاجهم اعتمادًا على رحلته الدراسية في المدراس الطبية. فدور الأول يختلف عن الثاني وكلاهما حلقتين من سلسلة طويلة تقع في نهاية المطاف تحت مظلة دائرة الطب والطبابة الحديثتين.

عاشرًا: لِمَنْ أراد أنْ يطلع على بقية الزوايا المُتعدِّدة المُتَعلٌِّقة بموضوع لقاح الإنفلونزا، فله أنْ يتصفَّح بعض الدراسات المتوازنة في هذا الشأن، التي من ضمنها التالي: -
  1. Thompson WW, Shay DK, Weintraub E, et al. Mortality associated with influenza and respiratory syncytial virus in the United States. JAMA. 2003;289:179-186. 
  2. Thompson WW, Shay DK, Weintraub E, et al. Influenza-associated hospitalizations in the United States. JAMA. 2004;292:1333-1340. 
  3. Nichol KL, D'Heilly SJ, Greenberg ME, Ehlinger E. Burden of influenza-like illness and effectiveness of influenza vaccination among working adults aged 50 - 64 years. Clin Infect Dis. 2009;48:292-298. 
  4. Keech M, Beardsworth P. The impact of influenza on working days lost: a review of the literature. Pharmacoeconomics. 2008;26:911-924. 
  5. Molinari NA, Ortega-Sanchez IR, Messonnier ML, et al. The annual impact of seasonal influenza in the US: measuring disease burden and costs. Vaccine. 2007;25:5086-5096. 
  6. Nichol KL, D'Heilly SJ, Ehlinger E. Colds and influenza-like illnesses in university students: impact on health, academic and work performance, and heath care use. Clin Infect Dis. 2005;40:1263-1270. 
  7. Fiore AE, Uyeki TM, Broder K, et al. Prevention and control of influenza with vaccines: recommendations of the Advisory Committee on Immunication Practices (ACIP), 2010. MMWR Recomm Rep. 2010;59:1-62. 
  8. Fiore AE, Brdges CB, Cox NJ. Seasonal influenza vaccines. Curr Top Microbiol Immunol. 2009;333:43-82. 
  9. Jefferson T, Di Pietrantonj C, Al-Ansary LA, Ferroni E, Thorning S, Thomas RE. Vaccines for preventing influenza in the elderly. Cochrane Database Syst Rev. 2010;(2):CD004876. 
  10. Jefferson T, Di Pietrantonj C, Rivetti A, Bawazeer GA, Al-Ansary LA, Ferroni E. Vaccines for preventing influenza in healthy adults. Cochrane Database Syst Rev. 2010;(7):CD001269. 
  11. Osterholm MT, Kelley NS, Sommer A, Belongia EA. Efficacy and effectiveness of influenza vaccines: a systematic review and meta-analysis. Lancet Infect Dis. 2012;12(1):36–44. 
  12. Bridges CB, Thompson WW, Meltzer MI, Reeve GR, Talamonti WJ, Cox NJ, et al. Effectiveness and cost-benefit of influenza vaccination of healthy working adults: a randomized controlled trial. JAMA. 2000;284(13):1655–63. 
  13. Jefferson T, Di Pietrantonj C, Al-Ansary LA, Ferroni E, Thorning S, Thomas RE. Vaccines for preventing influenza in the elderly. Cochrane Database Syst Rev. 2010;(2):CD004876. 
  14. Govaert TME, Thijs CTMCN, Masurel N, Sprenger MJW, Dinant GJ, Knottnerus JA. The efficacy of influenza vaccination in elderly individuals. A randomized double-blind placebo-controlled trial. JAMA. 1994;272(21):1661–5. 
  15. Nichol KL, Nordin JD, Nelson DB, Mullooly JP, Hak E. Effectiveness of influenza vaccine in the community-dwelling elderly. N Engl J Med. 2007;357(14):1373–81. 
  16. Eurich DT, Marrie TJ, Johnstone J, Majumdar SR. Mortality reduction with influenza vaccine in patients with pneumonia outside “flu” season: pleiotropic benefits or residual confounding? American J Resp Crit Care Med. 2008;178(5):527–33. 
  17. National Advisory Committee on Immunization Statement on seasonal influenza vaccine for 2013–2014. Can Commun Dis Rep Wkly. 2013;39(ACS-4):1–37. 
  18. Morabia A, Costanza MC. Handwashing against hospitalization for influenza: time for PHIR? Prev Med. 2012;54(6):369–70. 
  19. Johansen H, Sambell C, Zhao W. Flu shots—national and provincial/territorial trends. Health Rep. 2006;17(2):43–8. 
  20. Lam PP, Chambers LW, Pierrynowski MacDougall DM, McCarthy AE. Seasonal influenza vaccination campaigns for health care personnel: systematic review. CMAJ. 2010;182(12):E542–8. 
  21. Lau D, Hu J, Majumdar SR, Storie DA, Rees SE, Johnson JA. Interventions to improve influenza and pneumococcal vaccination rates among community-dwelling adults: a systematic review and meta-analysis. Ann Fam Med. 2012;10(6):538–46. 
  22. Jefferson T, Jones MA, Doshi P, Del Mar CB, Heneghan CJ, Hama R, et al. Neuraminidase inhibitors for preventing and treating influenza in healthy adults and children. Cochrane Database Syst Rev. 2012;(1):CD008965.
أدعو للجميع بالتوفيق والسداد في الأمر،،،
يونيو 19, 2017
قراءة المزيد
الأحد، 18 يونيو 2017
السبت، 17 يونيو 2017
الجمعة، 16 يونيو 2017
الخميس، 15 يونيو 2017
الأربعاء، 14 يونيو 2017
الاثنين، 12 يونيو 2017
رمضانيات

ومضة طبية 17: المُحلِّيات السُكَّرية.. هل تُوجَد عليها أي ملاحظات دراسية؟

يونيو 12, 2017
قراءة المزيد
الأحد، 11 يونيو 2017
 
جميع الحقوق محفوظة لمدونة بُرْهَـــــــــــــــــــــــــــــــــان © 2009 مدونة معرفية تُعنى بالبحث والتحقيق العلمي، وتقديم المحتوى الرصين المبني على الدليل